إن الأفكار أشبه ما تكون بالفيروسات تستمد ديمومتها من قدرتها على الاستمرار وليس من صحتها أو من عدالتها أو من ضروريتها، فهي تعيش وتنتشر عندما تجد استعدادا لتقبلها. وهي تموت وتندثر عندما تواجه مناعة ترفضها وتقطع تواصلها!
ومن أغرب وأخطر مشكلات هذا العصر هو استبدال القيمة بالثمن، وهي فلسفة اندثرت وفشلت في الغرب وفي الاتحاد السوفيتي بصفة خاصة، إلا أننا نقتات على فضلات الأفكار المهملة والبائدة، بل نضعها في (فاترينات) مجالسنا! فالقيمة مصطلح فلسفي قديم قدم الفكر الإنساني، ولعلنا نتأمل فيه قليلا، كيف نتعاطى المصطلح وكيف تعاملنا معه وكيف يجب أن نتعامل؟
"قيمة الشيء في اللغة قدره وقيمة المتاح ثمنه، وقيمة الشيء من الناحية الذاتية هي الصفة التي تجعل الشيء ذلك الشيء مطلوبا أو أمراً مرغوبا فيه. القيمة تطلق على كل ما هو جدير باهتمام المرء وعنايته باعتبارات اقتصادية أو سيكلوجية أو اجتماعية أو أخلاقية أو جمالية كما جاء في المعجم الفلسفي.
والقيمة في مجملها تقودنا دائما إلى كل شيء يدفع كمقابل للسلعة الشرائية، فلكل سلعة قيمة، وإذا جمعناها كان جمعها قيمات، أو أقيام. إلا أن هناك شيئا ما ترسخ في وجداننا لا يقبل المقايضة وهو القويم أو القيِّم، والشيء القيِّم هو الذي لا ند له في المقايضة وجمعه قِيَّم. ومن هنا كانت القيَّم هي التي لا تتمتع بسعر السوق أو تعلو أو تنخفض حسب اقتصاد بلد ما أو عملة معينة وما إلى ذلك. أما القيمات فهي ما تتمتع بذلك. فهل لنا أن ندرك الفرق الكبير بين القِمَات والقِيِّم. والقَيِّم نعته قِوام، وقوام الشيء هو الشيء ذاته، فلا ينفصل عنه حيث (إنه هو) وإنه (هو. هو) ومن هنا اكتسب قوته وخلوده مع الزمن ومن هنا أصبح محسوسا، والبين كبير بين المحسوس والملموس!
فالأشياء المحسوسة هي المقيمات، وهنا تكمن المشكلة، وهي أن اختلط الحابل بالنابل بين هذين المفهومين (المحسوس، والملموس) حتى أصبح الأول يعمل عمل الأخير ويضفي عليه معناه ووجوده، وهذه داهية من دواهي هذا الزمان. فيقول أحد الباحثين: "تعدّ القيمة مبحثا مهما من مباحث الفكر الإنساني، وهي قديمة قدم الإنسان ذاته، وتمتلك أهمية كبيرة في حياته. اصطبغت القيمة في استعمالها اليومي بصبغة اقتصادية، إذ ارتبطت بمسائل البيع والشراء، ومع ذلك ما زال بعضهم يتحدّث عن قيمة هذا الفعل الأخلاقي، أو هذا العمل الفني... إلخ، ومعنى هذا أن هناك قيما كثيرة أخرى غير القيم الاقتصادية، إذ يمكن أن نطلق لفظ قيمة على كل ما نرغب فيه، أو نسعى إلى بلوغه، أو نحرص على تحقيقه، فالصحة قيمة، والثروة قيمة، والنجاح قيمة... إلخ. ولعل إعطاء معنى دقيق لمفهوم القيمة مسألة قد تكون في غاية الصعوبة، لأن مفهوم القيمة شأنه شأن جميع المفاهيم الفكرية الأخرى يحتمل تفسيرات شتى".
ومن هنا جاء الخلط بين القيمة الاقتصادية والقيم المعنوية التي تعني في المقام الأول بالإنسان، وبهذا الخلط في المفهوم أصبح هناك هبوط في القيم حتى تصبح في مصاف القيمات أو المقيمات، فيتشيّأ كل شيء ويصبح كل شيء سلعة معروضة للتقييم إما بالغلاء أو بالرخص حسب مقتضيات السوق.
ولعل تأثير هذا الاختلاط في المفهوم وأثر هذا الاختلاط نتاج لفلسفة "إيمانويل كانط" في القرن التاسع عشر، وقد أطلق أحد الباحثين عليها "الأكسيولوجيا Axiology من اليونانية Axia بمعنى قيمة، وLogos بمعنى علم أو مبحث، فيصبح معنى الكلمة نظرية القيم أو علم القيم، وهي مبحث فلسفي مستقل يدرس مشكلات القيم بمختلف أنواعها، من اقتصادية وأخلاقية... إلخ. وعلى صعيد المصطلح لم يظهر هذا الميدان إلا منذ فترة قصيرة نسبيا، أي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على أيدي إيمانويل كانط Emmanuel Kant وغيره ممن اهتموا بالقيمة بشكل مغاير لما سبق".
قد ير البعض أن ظهور فلسفات وآراء غربية هي بعيدة عنا ومن مجتمعاتنا لأنها تخص أناسا بعينهم، ليسوا من طينتنا، وإنما الحقيقة أن أي نظرية فلسفية أو علمية في أي مكان على البسيطة حتما ستتسرب إلى شرايين خلق الله من البشر. فما نراه يعتري مجتمعنا العربي من اهتزاز القيم العربية الذي كان (العربي) ذاته مؤسسها، مثل الشجاعة، والمروءة، والشرف، والكرم، والإجارة، والنخوة، والصدق، والأمانة، وغير ذلك من القيم التي قد نطلق عليها مجازا بالـ"الشيم" ومفردها شيمة التي هي من خصال العربي، بدأت في الاندثار، ولا بد أن نذود عنها.
إلا أننا نرى تفشيا في انحلال هذه القيم فتشيأت وتسلعت، أي أنها أصبحت سلعا في "فاترينة" المجتمع العالمي.
فالهوية العربية هي مجموعة هذه القيم التي بتحللها تتحلل الهوية التي تعنى" الـ(هو، هو) أي التي لا تقبل القسمة على اثنين، فهي (هي) ذاتها، وبالتالي فكيف نكون بلا قيم؟ فالشيء الوحيد الذي لا يقبل القسمة على اثنين هو القيمة.