سأضع التواضع جانبا، وأقول إنني أعتز أنني دكتور تخرجت في واحدة من أعرق الجامعات الأميركية بعد كدح وتعب وغربة، وحصلت على درجة أستاذ مشارك بعد أن استغرق تحكيم أبحاثي باللغة الإنجليزية في الخارج سنة وشهرين، قُبلت جميعها ومن جميع المحكمين الثلاثة، وكنت سأواصل العمل على البحوث حتى الحصول على درجة الأستاذية لولا أنني تشرفت بصدور الأمر السامي الذي تمت ترقيتي بموجبه في سلم الوظائف الإدارية لأترك حبي الأول وهو العمل الأكاديمي وأنتقل إلى العمل الإداري. ولي كل الشرف أنني أنتمي إلى العمل الأكاديمي الذي يعد أشرف المهن.
مناسبة هذا الحديث هو إطلاق أحد الأكاديميين وصف "الحمير والبغال" لحملة الدكتوراه.. في عنوان صارخ لمقالة له: "... مرحبا في عالم البغال" هذا المقال لا يليق بأستاذ جامعي تربت على يديه أجيال يرونه قدوة. إذ كيف يكون الحمار أو البغل قدوة؟ وقد يستحسنون طريقته في الحط من قدر الناس فيتبعونه. هو لم يسئ إلينا ولم يحط من قدرنا بهذا الوصف الشنيع بقدر ما أساء إلى نفسه. أستغرب أيما استغراب أن يقول إن الحصول على درجة الدكتوراه لزميل عزيز علينا "دخول استعراضي لعوالم النخب بلقب "الدال" الكاذب". قد يكون كاذبا بالنسبة له لكنه لا يجوز أن يسحب ما ينطبق عليه علينا جميعا، فنحن عند مستوى هذه الدرجة العظيمة، وأثبتنا ذلك في محافل عدة، ولدينا الاستعداد إن رغب الكاتب أن يختبرنا بأي شكل من الأشكال لنثبت له أننا علماء وفي مستوى هذا اللقب العظيم.
إطلاق صفة "الحمير والبغال" على 60 ألف دكتور ذنب عظيم اقترفه الكاتب. ونحن لا نطالبه بالاعتذار فنحن بكل فخر فوق أن يعتذر لنا. لأننا نختلف عنه بالثقة في أنفسنا وبالثقة في شهادة الدكتوراه التي نحملها وبالترقيات العلمية التي حصلنا عليها. أقول للكاتب ويتفق معي كل العقلاء في الدنيا إن الحصول على شهادة الدكتوراه فخر في حد ذاته، وهو إضافة إلى ذلك رمز جهد كبير ورمز تضحية لنا ولأفراد عائلاتنا الذين رافقونا وتحملوا معنا هجير الغربة ومرارة الانشغال وألم الوقائع والأحداث التي تمر بالدارس خلال رحلته الطويلة في الدراسات العليا، ويعرف ذلك كل من مر بهذه التجربة لكنه في النهاية ومعه كل أفراد عائلته ينسون كل تلك الآلام والتضحيات عندما يتوجون بهذا اللقب العظيم في احتفال التخرج الذي يُنسي فيه عمقُ الفرح ولذة النجاح واتساع الابتسامات كل جرح أو ألم أو حدث مهما كانت شدته.
رحلة الدكتوراه أيها الكاتب رحلة عظيمة من العار أن نطلق على سالكي طريقها أنهم "حمير أو بغال". لا أدري كيف تتخلص من الذنب العظيم الذي اقترفته بإطلاق هذه المسميات على العلماء الذي حصلوا على درجة الدكتوراه بالجهد والعرق والتضحيات والكدح. لا أدري كيف سمحت لنفسك أن تقول: "وجوهر مقالي هذا الصباح عن هذه الورقة وهذه الشهادة. وليسمح لي سعادة الرقيب إن قلت بكل صراحة وشجاعة إن شهادة الدكتوراه مجرد ساعة زمن لتحويل الحمار إلى بغل". وإن الدكتوراه خرافات وأساطير. وكيف سمحت لنفسك أن تقول: "إن شهادة الدكتوراه كذبة وخرافة". أنا لا أخرج الكلمات من سياقاتها لأنني متخصص في تحليل الخطاب وأعرف مدلول العبارات والكلمات في السياقات ومن دونها. أنت تحاول بكل ما تستطيع ومستغلا منبرك الصحفي أن تشوه سمة عظيمة من سمات العلماء وهي "شهادة الدكتوراه".
أنت تقول في محاولة للارتداد وتبرير كل ما قلت: "أستاذ الجامعة الذي لا يقرأ في العام الواحد خمسين كتابا في شتى العلوم والمعارف لن يختلف عن بائع الحراج وعامل الخردة". هذا تبرير مضحك لا يعفيك من ذنب كل ما قلت. حتى إن هذه العبارة لا تليق. تمعنوا في الخاتمة التي نعرف كمتخصصين أنها تعلق في ذهن المتلقي والقارئ. يقول الكاتب في آخر عبارة في مقاله: "أهلا بك إلى عالم الدكتوراه وحظيرة البغال التي دخلتها من قبل، ونصيحتي أن تتحرر من سور الحظيرة...".
وأقول في نهاية ردي على الكاتب إن أي إنسان يستطيع أن يقول من السوء ما شاء، لكنه لا ينال من الآخرين بقدر ما ينال من نفسه. فقل ما شئت فلم يعد المتلقي ساذجا.
خلاصة القول، إذا كان هناك نفر من حاملي شهادة الدكتوراه قد حصلوا عليها بأساليب ملتوية فهم مكشوفون، وأتحدى من أخذها بطريقة ملتوية أن يترقى إلى درجة "أستاذ مشارك"، لكن ذلك لا يسِّوغ لكائن من كان أن يسمينا "حميرا أو بغالا..". اللهم ألهمنا الصواب وقول الحق.