يستطيع أي متابع، أيا كانت وظيفته أو مهنته أو حقله أو مرحلته الدراسية، أي كل الناس، أن يدركوا أي مستقبل ينتظرهم فيما لو تابعوا ما يحدث أمامهم على شاشات التلفزة، ليلا ونهارا، دون أن يبحثوا عما وراء ما يسمعون أو يشاهدون.

وإن كل ما يحدث من تطورات أو اجتماعات أو مبادرات أو خطب، كلها صادقة وهي كل المستطاع. وتعمل كل القيادات بجهد كبير من أجل الخروج من هذا الابتلاء الذي يجتاح الدول والمجتمعات، ويهدد الماضي والحاضر والمستقبل في آن.

إنه ابتلاء أتى من كل اتجاه، من جوار قريب أو عدوّ قديم أو طامع بعيد أو داخل دفين، وهو من الهول مما لا يسمح بالعتاب أو المراجعة أو التجاهل، لأن اللحظة داهمة وشديدة الهول، فإما أن يتصرف ما بقي من القادرين أو ندخل في حرب الأساطير التي تدوم عشرات السنين، خصوصا حين يكون هناك من يحارب من أجل إمبراطوريات بائدة، ولا قيمة عنده للتطور والجوار والصداقة.

حفل الأسبوع الجاري بجملة من الأحداث والمواقف غاية في الصدق، وكان الموقف المعلن والصادق لرئيس الحكومة الإسرائيلية بأنه لا يقبل بالقرار 242، ولا بحدود الرابع من حزيران 67، ولن يسمح بقيام الدولة الفلسطينية نهائيا.

أعتقد أنه كلام صادق وواضح، وهو أول استخدام عملي للتصفيق الذي حصل عليه من الكونجرس الأميركي والايباك اليهودي، بعد أن عدّ أن إسرائيل في خطر من إيران وسلاحها النووي. وبمجرد عودته أعاد اعتداءه على الشعب الفلسطيني. وأعتقد أن نتنياهو كان صادقا وتلك هي حقيقة موقفه وعدوانه.

هذا الأسبوع أيضا كان منتهى الاستعراضية لإيران في المنطقة، خصوصا في العراق وظهور قاسم سليماني بشكل استعراضي وغير مسبوق. وكأننا أمام حملة انتخابية كبرى لرجل الظلّ دائما والمهمات الأمنية الغامضة.

لقد سمع الناس في منطقتنا بهذا الاسم مرارا، لكنهم لأول مرة يشاهدون له كل هذه اللقطات الاستعراضية، وهو يذكرنا بصدام حسين والزعامات البعثية الملهمة واستعراضاتها.

ولم تكتف إيران باستعراض سليماني بل سرّبت تصريحات لمسؤولين إيرانيين يتحدثون فيها أن العراق جزء من إمبراطورية فارس.

وأعتقد أن إيران في هذا كانت صادقة لأنها تعد نفسها إمبراطورية فارسية ولديها طموح توسعي على الأراضي العربية، وهذا ما كانت تخبئه إيران طوال السنوات الماضية وقد أصبح الآن كلاما علنيا وواضحا.

هذا الأسبوع أيضا عُقد المجلس الوزاري لوزراء الخارجية العرب، وترأست الجلسة الافتتاحية رئيسة الدورة الحالية وزيرة خارجية موريتانيا، الناهة بنت مكناس، قبل أن تسلم وزير الخارجية الأردني، ناصر جودة، رئاسة الدورة التي ستنظم القمة العربية القادمة.

تحدّث في هذه الجلسة معظم وزراء الخارجية العرب، وجميعهم كانوا صادقين في كل كلمة قيلت. ويستطيع أي فرد عربي أن يراجع تلك الكلمات ليتأكد من صدقها لأنها كانت تتحدث فيما يعرفه كل الناس ويشاهده كل الناس، من أزمات وانهيارات ومآس وتحديات.

وقد عبّر كل وزير بوضوح تام عن هذا الاتجاه أو ذاك. لم يكن اجتماعا شكليا، ولم يُعدّ بيانه الختامي منذ أسابيع أو أشهر كما كانت العادة، بل كان اجتماعا عمليا وجديا، إذ تناول الموضوعات والأعمال التي يتوجب القيام بها.

وإن قمة الملوك والرؤساء المزمع عقدها في الثامن والعشرين من مارس الجاري في مصر لن تكون قمة عابرة، خصوصا لتزامنها مع الذكرى السبعين لتأسيس جامعة الدول العربية، والجامعة والعرب في أسوأ حال.

فإن هذه القمة إما أن تعيد الحياة إلى العمل العربي المشترك أو على الجامعة السلام.

إنه زمن جديد ومباشر وداهم ودامٍ ومدمر. إنه ابتلاء لا ينفع معه لا الهرب ولا الادعاء. وإن الواقع نافر جدا ولا يمكن تجاهله ولا ينفع فيه إلا الصدق والإنتاج.

هذا الأسبوع أيضا، عُقد اجتماع وزراء الداخلية العرب في الجزائر، وكان أيضا شديد الدقة والشفافية وأكثر مما كان يرجوه المواطن العربي. ووضع كل وزير فيه ما لديه من مخاوف ومخارج بكل وضوح وبصدق تام.

وغاب عن الاجتماع التضارب والتناقض في السياسات وأحيانا الاختلاف على الأصدقاء والأعداء.

في هذا الاجتماع، كان العدو واضحا ومحل إجماع واقتناع، وكانت السبل المقترحة تكاملية، مع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الوطنية لكل دولة من الدول، على ألا تكون تلك الخصوصية سببا في تهديد أمن المجتمعات العربية على امتداد الوطن العربي.

وهذا ما يجعل من سياسة تنقية الأجواء العربية والإسلامية أهم تدبير أمني سياسي، أصبح من الأولويات.

إن ما حمله الأسبوع الحالي من اجتماعات وتصريحات ومواقف واستعراضات تجعلنا أمام مرحلة غاية في الوضوح، خصوصا لما عبّرت عنه كل من إسرائيل وإيران من أطماع وتطلعات، وما تابعناه في اجتماعيّ وزراء الخارجية والداخلية العرب غاية في العقلانية والصدق والشعور بالخطر الشديد لدى المسؤولين العرب، العازمين على الدفاع عن أوطانهم ومجتمعاتهم وآمالهم. وإن المستقبل العربي مناط بما يقوم به العرب الآن.

ونستطيع أن نفهم ما ينتظرنا بوضوح تام من خلال متابعتنا لقمة الملوك والرؤساء العرب القادمة التي تعمل المملكة العربية السعودية على تنقية الأجواء العربية قبل عقدها، لتكون قمة الصدق مع الذات.