هل العلم حاكم على المال، أم المال يحكم العلم؟، بعيدا عن المثاليات وخيالات المرهفين، يُمكِن للفرد أن يضع العلم في منزلة مقدسة كما يشاء حتى يستسيغ بلع كل هذا الضنك الذي يعيشه، لكن بالنسبة للمجتمعات والأمم فالعلم لا بد وأن يكون عاملا أجيرا لديها، مهمته جلب الأموال وتحقيق الأرباح وتنمية الاقتصاد، حينها سيحدث التقدم كنتيجة.
لقد طرح الأمير "شكيب أرسلان" قبل أكثر من ثمانين عاما، سؤالا مفاده "لماذا تأخر المسلمون؟، لماذا تقدم غيرهم؟" ولا يزال السؤال قائما إلى اليوم، ولا يزال البحث عن الأسباب جاريا إلى اليوم، وسيستمر البحث إلى الغد دون الوصول لنتيجة، لأننا نبحث عن الجواب في الماضي بينما جواب هذا السؤال في الحاضر، وأن يكون الجواب في الحاضر فهذا يعني أن السؤال مبني على مغالطة منطقية.
إن المسلمين في حقيقة الأمر لم يتأخروا إنما توقفوا في فترة زمنية معينة عن المسير كما فعلت الحضارات الأخرى "الهندية، الصينية" كمثال، توقف الجميع وتقدم الغرب وحدهم في سباق التطور الحضاري، عليه سيكون السؤال منطقيا إن قلنا "لماذا توقفت الأمم وتقدم الغرب وحدهم؟" فإن بحثنا عن الجواب سنجد السر وراء تقدم الغرب هو أنهم استحدثوا نموذجا حضاريا مغايرا للمألوف، فالمألوف كان العلم فيه هو الحاكم على المال، هو من له المنزلة الأعلى والأسمى، فجاء الغرب بنموذج حضاري يحط من قدر العلم ويجعله عاملا أجيرا أعظم أدواره أن يُنمي الاقتصاد، فحدث أن تطور الغرب كنتيجة.
ولا يزال المسلمون متوقفين مكانهم إلى اليوم، لأنهم لا يزالون على كفرهم بالنموذج الذي قدمه الغرب، لا يزالون متمسكين بالنموذج الذي يضع للعلم قدسية خاصة، وكيف أنه ميراث الأنبياء بينما المال للأشقياء! ورغم جمالية هذا النموذج إلا أن وضع العلم في تلك المنزلة العالية جدا يجعله بعيدا جدا عن الواقع ولا يؤثر فيه بأي شكل.
ولا يزال المسلمون متوقفين مكانهم إلى اليوم، رغم تقدم الأمم الأخرى كالصين والهند حين آمنوا بالنموذج الحضاري الغربي، حين أدركوا بأن مفتاح التقدم اليوم يعتمد على قيام الأمم والمجتمعات بحث أبنائها على إعمال عقولهم من أجل تحقيق الأرباح لا من أجل المثاليات، أن تتركهم يخترعون ويبتكرون ويبنون المعامل والمختبرات من أجل السوق، من أجل تحقيق عائد اقتصادي للدولة.
ومبدئيا، نحن أيضا نُفكر، ونُفكر من أجل المال ولا شيء آخر سوى المال، لكننا لا نُفكر علميا من أجل المال، نُفكر كيف نستورد لكي نستهلك ولا نُفكر حتى كيف نُنتج ما نستهلك، لا علاقة للعلم أبدا في تسيير شؤون حياتنا، جعلنا العلم للحفظ وضمان الوظيفة ولكي لا يتم رفض الشاب الراغب في الزواج، جعلنا العلم آلة تقوم بإنتاج الكثير من العارفين الذين لا يملكون أي جواب لكنهم على أي حال يعرفون! واضح أن العلم بالنسبة لنا مجرد ترف من الممكن أن نستغني عنه في أي لحظة دون أن نشعر بفرق.
ولا بد هنا من القول بأن المسلمين ليسوا هم المتأخرين، وأن لا علاقة للإسلام بتأخرنا وتخلفنا، ولو قمنا بجولة إلى "ماليزيا، تركيا، كازاخستان" على سبيل المثال، سيتضح بأن المتأخرين ليسوا المسلمين بالعموم إنما العرب فقط!
للتوضيح، هذه "تركيا" حين خططت لإدخال التقنية إلى مدارسها قامت فورا بإنشاء مصانع لإنتاج الأجهزة التقنية، بينما أي دولة عربية إن قررت إدخال التقنية إلى مدارسها فالخيار الأول وربما الوحيد الذي تجود به عقول خبرائها هو استيراد ما يلزم لأجل هذا الهدف وبالمرة يتم إحضار ما لا يلزم طالما نحن هناك.
أن تقوم "تركيا" بإنتاج أجهزة تقنية وطنية الصنع لإمداد مدارسها وجامعاتها، هذا هو معنى أن يكون العلم من أجل المال، من أجل السوق، من أجل نمو الاقتصاد، لكن أن نعتقد بأن الاستيراد واستدعاء الحلول الجاهزة سيجعلانا نتقدم فعلا ونتطور، هنا يتساوى لدينا التفكير وعدمه، هنا رغم أننا نستخدم عقولنا ونُفكر فعليا إلا أننا لم نخرج عن دائرة الغباء التي جعلتنا نردد ذات يوم بأن الله سخر لنا الغرب لنتفرغ لعبادته.
عموما، الذين يبحثون عن إجابة سؤال "لماذا تأخر المسلمون؟" سيعيدون طرح السؤال يوما بعد يوم، سيستمرون في البحث ولن يجدوا شيئا، لأنهم يبحثون في الماضي، في تنحية "الغزالي" للعقل، في محاربة المعتزلة واضطهادهم، في صراعات المذاهب والطوائف، في زندقة المنطق وعلم الكلام، إنهم لن يصلوا لنتيجة لأنهم يبحثون في الماضي أولا وثانيا، لأنهم يبحثون في الماضي عن أشياء لا علاقة لها بالجواب، فالجواب كان في الأمس يدور حول الاقتصاد والحل اليوم في الاقتصاد وليس في شتم الأموات.
الحل اليوم، أن يكون المخترع المراهق أعلى منزلة من العلامة المُحدِث، أعلى كذلك من المثقف النخبوي، لأن اختراعه يُسهِم في دوران عجلة الاقتصاد، لا أن يشيخ المراهق وهو يدور باختراعه من أجل تخليص بعض الأوراق.
الحل اليوم، أن ينال التصفيق والإعجاب من يحقق شيئا ماديا ملموسا، قادرا على خلق فرص وظيفية، والمساهمة في الدخل العام، حينها سنتقدم ونتطور بدون فلسفة، حينها سنتقدم أخلاقيا أيضا لأنه وكما قال "علي عزّت": القوة المادية لا بد وأن تصاحبها أخلاقيات قوية.