أشد ما أعجبني -كما غيري- التفاوض الدائر بين السفير السعودي السابق في اليمن علي الحمدان ومفاوض أو مندوب القاعدة الشدوخي، من خلال التسجيل التليفوني الذي بثته القناة السعودية الأولى، كجزء من الشواهد الثابتة للحوار الذي أجرته القناة مع الديبلوماسي السعودي المحرر من الاختطاف عبدالله الخالدي.

لم يكن الأمر خاصا بحديث ومطالب مندوب القاعدة بل بالماهية والثبات وحسن إدارة التفاوض للسفير الحمدان الذي كان يعبر عن ديبلوماسية وفطنة عاليتين وهو يستقي المعلومة من كل شاردة يفضي بها المندوب الإرهابي.. فكان تعبيرا حاضرا وجليا عن البراعة التي عليها سفيرنا الضليع في العمل الذي هو عليه، وبمعرفة أبعاد "القاعدة" ومسيريها، فكان يقدم درسا ديبلوماسيا في كيفية إدارة الحوار والارتداد السريع على المتصل ونيل أكبر معلومات منه، التي كان من بينها أسماء رؤوس القاعدة في اليمن، والحدود النهائية لمطالبهم، والأهم الاستشراف والتوثق من سلامة القنصل المختطف، حتى لو أراد المندوب تجاهل سؤال البداية إلا أنه كان في استدراجه تأكيد على سلامته حتى لو لم يفض بها.

سياسة التهديد والوعيد والمطالب المباشرة بفك أسر القنصل.. وإلا؟! لم تكن حاضرة، وهنا أبحث عن الديبلوماسية الرزينة التي كان يعبر عنها السفير، وتأمل كيفية الإمساك بخيوط التحاور، يدعم ذلك اللباقة والإنصات المدروسين ما يجعل ذلك المفاوض يدلي بكل شاردة وواردة عن "القاعدة" ووضعه معها وحدود مطالبهم، وما يذهبون إليه، والأخيرة أدركناها من جر السفير له للحديث عن هذه المطالب واندفاع المفاوض دون أن يدرك بالتأكيد أن مرسليه يرغبون بدراستها والتحاور عليها.. رغم أن خطاب "القاعدة" دائما ما يأتي رافضا ومشددا ومطالبا بالحسم، لكن أمام سفيرنا الذكي كان الأمر مختلفا؟!

ما كان عليه السفير جعلنا أكثر نشوة واحتفاءً حتى وإن كان الحدث قد انتهى، لكن ما جعلنا أكثر سعادة ونحن نستمع إلى هذا الحوار أنه يعبر وبشكل جلي عن ذهاب حكومة المملكة إلى أبعد النقاط والمحاور لأجل أن تصل إلى أبنائها وتنقذهم.. وأدركنا أن سعة الصدر التي كان عليها السفير والمرونة أيضا عنصران مهمان في النجاح اللافت في إنقاذ الديبلوماسي.. فالحوار من جانب سفيرنا لم يكن تحديا بمطالب مقابلة، بل نيل أفضليات ومعلومات وقدرة على الظفر بالزمن المطلوب لأجل العمل الحقيقي الذي أفضى وبنجاح إلى تحرير القنصل من أشرس الأعداء وأشدهم فتكا وعدوانية.

بعد حوار السفير جال بخاطري ما كانت عليه دول كثيرة وهي تصرخ باللاءات مباشرة أثناء الحوار مع الخاطفين لتفقد مواطنيها المخطوفين تحت رصاص "القاعدة" أوسكاكين "داعش"، وقارنت ذلك بحوار السفير الحمدان الذي كان تعبيرا عن معنى أن تكون محاورا ذكيا، وتجيد التصرف خلال الأزمات الشديدة، غير تنوع الثقافة والقدرة على أن تكون لبقاً فطنا حتى مع المتشددين أصحاب الرأي الواحد.

شكرا علي الحمدان فقد بثثت في نفوسنا الطمأنينة على من يمثلوننا في الخارج، ولا أحسب أن ما قمت به إلا من صميم الديبلوماسية الحقة والقدرة على التفاوض في الظروف الصعبة، ومن يملك القدرة عليهما لا بد أن يشار إليه على أنه جدير بالثقة ومحل الاطمئنان. وهنا الحكمة والدراية.