لم تكن ليزي فيلاسكويز المولودة في الثالث عشر من مارس عام 1989 تعلم وهي تشاهد مذعورة الفيديو الذي نشره بعض زملائها عنها على موقع اليوتيوب العالمي والذي كانت مدته ثماني ثوان فقط ويحمل عنوان: "أبشع امرأة في العالم".. وشاهده قرابة الأربعة ملايين شخص في فترة وجيزة، لم تكن تعلم أنه السبب الأول الذي سيغير حياتها للأفضل. لقد ولدت ليزي وهي تحمل متلازمة مرضية نادرة جدا يصبح الشخص المصاب بها غير قادر على اكتساب الوزن أبدا، وتكون بالتالي نسبة الدهون في جسده صفر بالمائة، مع ما يتبع هذا من أمراض مختلفة، ونقص في المناعة، ومظاهر تشيّخ شديد.

بعد مشاهدة ليزي لذلك الفيديو الذي وصفها بأنها أبشع امرأة في العالم، وقراءتها لجميع التعليقات التي أُدرجت عليه، وكان بعضها يطلب منها أن "تطلق النار على نفسها" أو يصفها بأوصاف مريعة، وضعت ليزي نفسها في تحد ومعركة حقيقية بين أن تكون فعلا كما وصفها أولئك المتنمرون، وبين أن تثبت لنفسها وللآخرين أن جوهرها الحقيقي ليس ما تبدو عليه بل ما تخفيه داخلها، وما تملكه من جوانب قد لا تلحظها في غمرة انشغالها بالأسى على مرضها النادر وشكلها الغريب.

قررت ليزي أن تخوض معركتها بطريقة مختلفة، طريقة أرقى مما قوبلت به وتضمن لها حياة سعيدة تنتزعها من نعمة المرض الذي أُصيبت به. وضعت لنفسها عدة أهداف وعملت على تحقيق معظمها وهي تدخل عامها السابع والعشرين في شهر مارس الجاري. أصبحت من أشهر الوجوه النسائية للحديث المحفز، ألهمت الكثير بقصتها وتجربتها الفريدة وبنضالها لمقاومة المرض وتبعاته. ألفت كتابين وتخرجت من الجامعة في المجال الذي رغبت به، وتسعى لتكوين أسرة مستقرة بينما تطوف الجامعات والمعاهد تلهم الآلاف بشجاعتها.

ما دعاني لتذكر هذه الشخصية المميزة ليس مصادفة ذكرى ميلادها في الأيام الماضية وحسب، بل بعض ردات الفعل التي وصلتني على مقال الأسبوع الماضي "سعودية خالية من النساء" الذي اقترحت فيه أن يتم إخراج النساء من السعودية إما بالتصفية الجسدية أو الترحيل حتى يكتمل لهذا المجتمع ذكوريته الملحوظة ويتخلص من المشاكل الكثيرة الذي تواجهه بسبب المرأة. وبرغم السخرية التي طرحت فيها الاقتراح، إلا أن كثيرا من ردات الفعل المكتوبة التي وصلتني كانت مضحكة حد البكاء، وللأسف إنها من النساء أكثر وأصدق فيما تحمل. والخلاصة التي أستطيع ذكرها أن المرأة قد تكون هي السبب الأول في تعطيل حقوقها عبر رضاها ودفاعها ببسالة عن "ولي أمرها" حتى وإن كان ظالما لها وهاضما لحقوقها وماسا بتعنيفه كرامتها وإنسانيتها. هذه الفئة من السيدات للأسف كثيرة جدا بيننا وهي لا تجد فيما تفعل وتقول غرابة، بل ترى أنها على الحق لأنها نشأت على هذا اليقين، وربما تلقفته لاحقا مع مراحل التعليم التي تكرس نمطا واحدا من التفكير الجمعي، مع سياق الحياة المجتمعية التي همّشت شخصيتها وذوّبتها في شخصية الرجل "الظل"، الذي بدوره سحقها، وشكلها كما كُرّس في ذهنه وتربيته بأن المرأة في خدمته فقط، مهما تبع هذه الخدمة من ظلم وانتقاص.

وفي المقابل، توجد هناك من السيدات من لم ترض هذا الواقع أو المحاولات التي تسعى لطمس شخصيتها والحد من قدراتها، فناضلت في سبيل انتزاع حقها، وإكمال تعليمها، وعيش حياتها ولو بأقل القدرات المتاحة لها والتي وجدت فيها فُسحة يمنحها إياها الزمن مع تنامي الوعي. صنعت هذا لنفسها بنفسها، أو بوجود يد من رجل واع تسندها وتدعهما وتؤمن باستقلالها وإنسانيتها. فكما يوجد لدينا نساء عجزن عن تحقيق ما حلمن به رغما عنهن أو بسبب تواطئهن مع المجتمع ضدهن، توجد سيدات مذهلات حققن الكثير في مجالات مختلفة علمية ووظيفية، أو غيرن الكثير وهن في منازلهن بتربية بنات وأبناء يعوّل على وعيهم النهوض بوطنهم ومجتمعهم.

المرأة السعودية تتقاطع مع ليزي فيلاسكويز المذكورة في بداية المقال كثيرا، في فكرة أنها تعيش حياة مختلفة ونادرة لا يشابهها في عيشها واختبارها كثير من النساء حول العالم، ولنقل عنه إنه مرض اجتماعي عزلها عن الحياة الطبيعية كثيرا وشوه داخلها تقبّل أن تكون فردا طبيعيا، تعيش وتتعاطى مع الحياة وما فيها بطريقة سوية لا تخجل فيها من كونها امرأة ولا تنزعج من أنوثتها. فتكون بالخيار أمام هذا المرض، كما وجدت ليزي نفسها بعد مشاهدة الفيديو الذي ينعتها بالبشعة، إما أن ترضخ لهذا الأمر وتعيش في عذاباته مدى العمر، وتبقى في انتظار الخلاص بالموت وحده، أو أن تجعل من هذا الأمر ميزة تستغلها لأن تتحدى ذاتها وتخرج أفضل ما لديها وتثبت لنفسها قبل الآخرين أنها قادرة على أن تكون شيئا جميلا ومختلفا مهما أحاطت بها القيود أو كثرت الإحباطات أو ضاعت الحقوق.