"الغجر" في أوروبا قوم من الرحّل، يُطلقون عليهم أسماءً مختلفة وعنوانا واحدا هو "أهل السفر". وهم اليوم موضوع الساعة في أوروبا بسبب عاصفة النقاش والجدل التي أثارها قرار الحكومة الفرنسية مؤخّرا بترحيل الغجر الرومانيين عن أراضيها بـ "تشجيعهم" لقاء مكافأة مالية أو بإخراجهم قسراً من البلاد. وليس من المبالغة القول إن مشكلة الغجر هي اليوم في قلب السياسات العامّة للاتحاد الأوروبي وفي قلب السياسات الوطنية لمختلف بلدانه، وقبل كل شيء فيما يتعلّق بدخول الأجانب وشروط إقامتهم.
فما هي الحكاية؟.
قليل من التاريخ قد يكون مفيداً لفهم ما يجري. إذا كان المؤرخون يختلفون حول أصول "الغجر" فإنهم يتفقون على أنهم تواجدوا في القارّة الأوروبية منذ القرن الخامس عشر. ولم يلقوا عامّة منذ البداية الكثير، ولا القليل، من الترحيب من قبل الأوروبيين. وفي فرنسا تحديدا كان لويس الرابع عشر قد قرر منذ القرن السابع عشر إلقاء القبض على الذكور البالغين منهم واقتيادهم للقيام بأعمال السخرة. وتعاقبت بعد الثورة الفرنسية عمليات قمعهم مع محاولات إيجاد "حلول إنسانية" لأوضاعهم. وكانت فرنسا قد لجأت إلى إقامة نوع من " معسكرات الاعتقال" للغجر أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية باسم "الأمن القومي".
ومنذ بداية عقد التسعينات الماضي وانهيار المعسكر الشيوعي غادر الآلاف من الغجر بلدان أوروبا الشرقية التي جعلوها مقرّ إقامتهم، وخاصّة في رومانيا، وتوجهوا نحو أوروبا الغربية، وخاصّة إلى فرنسا وإيطاليا حيث أثاروا ردود أفعال بعيدة عن "حسن الاستقبال".
واعتبارا من مطلع عام 2007 ودخول رومانيا إلى الاتحاد الأوروبي أصبح من السهل على الغجر الانتقال بين بلدانه دون الحاجة لتأشيرة دخول. لكن مع استمرار العمل بإجراء ساري المفعول حتى عام 2014 ومضمونه أن مواطني رومانيا وبلغاريا لا ينطبق عليهم مبدأ حرية الانتقال داخل بلدان الاتحاد الأوروبي بشكل كامل وأنه ينبغي عليهم التزوّد ببطاقة إقامة وبرخصة عمل في البلدان التي يريدون الإقامة فيها بصورة " مشروعة".
ضمن مثل هذا السياق قررت الحكومة الفرنسية في صيف هذا العام، بناء على إرادة معلنة وصريحة من قبل الرئيس نيكولا ساركوزي، ترحيل الآلاف من الغجر. وشرعت الأجهزة المعنيّة بتنفيذ القرار. الأمر الذي أثار زوابع من النقاش والجدل والاتهامات في أوروبا حيث رأى كثيرون في القرار الفرنسي خرقا صريحا وفاضحا لمختلف المواثيق الأوروبية والدولية التي تمنع كل أشكال التمييز العنصري على أساس العرق أو الجنسية أو الانتماء الاثني.
ولم تتردد المفوّضة الأوروبية المكلّفة بمجالات العدل وحقوق الإنسان والمواطنة "فيفيان رودينغ" في توجيه اتهام رسمي لفرنسا بشأن سياستها حيال الغجر. هكذا وجدت فرنسا نفسها في مواجهة بقيّة الأوروبيين، وليست قليلة هي أيضا الأصوات الفرنسية، بما في ذلك داخل الأغلبية البرلمانية الحاكمة ، التي اعتبرت أن صورة فرنسا غدت "قاتمة" بفعل قرارالترحيل ذي الطابع "العنصري". ودلّ استطلاع نشرته وسائل الإعلام الفرنسية قبل أيام قليلة أن 54 بالمئة من الفرنسيين يؤيدون الموقف الأوروبي المعارض لترحيل الغجر والمخالف لموقف حكومتهم.
قد يكون من المغامرة القول إن صورة فرنسا قد "كلحت" بسبب قضية الغجر. لكن لا شك أن الرئيس ساركوزي وحكومته هم أكبر الخاسرين بنظر الرأي العام. وبهذا المعنى لم تكن حساباتهم دقيقة. إذ من الصعب ألا يرى الإنسان، وراء قرار ترحيل الغجر، الحسابات السياسية الداخلية في أفق الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2012، ومحاولة كسب أصوات أولئك الذين يحمّلون الهجرة والمهاجرين وزر كل شرور المجتمع الفرنسي ومشاكله.
لا شك أن هناك في فرنسا وفي أوروبا مشكلة اسمها الهجرة. ومن المطلوب والملحّ السيطرة عليها وتقديم إجابات حاسمة بشأنها .لكن قضية ترحيل الغجر ليست سوى نوع من الهروب إلى الأمام عبر التركيز على مظهر ثانوي ومحيطي وإهمال القضايا الجوهرية والمركزية المتعلقة بتحدي الهجرة الكبير والحاسم بالنسبة لمستقبل الاتحاد الأوروبي.
المسألة هي إذن أبعد وأعمق من فرنسا و"غجرها" اليوم ...وغيرهم من "الغجر" غدا.