في مقابل السياسة الخارجية السعودية التي تقوم على احترام المواثيق والمعاهدات الدولية، والالتزام بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم الشعوب العربية والإسلامية اقتصاديا وسياسيا، نجد تزايدا في دور إيران التوسعي في العراق وسورية ولبنان واليمن، وفي إثارة الفتن الطائفية في كل مكان، من دول مجلس التعاون إلى القارة الأفريقية.
فقد رسم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ملك المملكة العربية السعودية في خطابه الأخير أبعاد السياسة الخارجية السعودية، حين قال "إن سياسة المملكة الخارجية ملتزمة على الدوام بتعاليم ديننا الحنيف الداعية للمحبة والسلام، وفقا لجملة من المبادئ أهمها استمرار المملكة في الالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية، بما في ذلك احترام مبدأ السيادة، ورفض أي محاولة للتدخل في شؤوننا الداخلية، والدفاع المتواصل عن القضايا العربية والإسلامية في المحافل الدولية بشتى الوسائل، وفي مقدمة ذلك تحقيق ما سعت وتسعى إليه المملكة دائما من أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف".
وأشار إلى عزم المملكة على "تحقيق التضامن العربي والإسلامي بتنقية الأجواء وتوحيد الصفوف لمواجهة المخاطر والتحديات المحدقة بهما". ودوليا، قال إن سياسة المملكة ترتكز على "العمل من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في العالم، وإرساء مبدأ العدالة والسلام، إلى جانب الالتزام بنهج الحوار وحل الخلافات بالطرق السلمية، ورفض استخدام القوة والعنف، وأي ممارسات تهدد الأمن والسلم العالميين".
ومن أهم أهداف المملكة "مكافحة التطرف والإرهاب بجميع صوره وأشكاله، أيا كانت مصادره، والتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة والهيئات الدولية في مكافحة هذه الآفة البغيضة عبر اجتثاث جذورها ومسبباتها".
بالمقابل، أصبح بعض المسؤولين الإيرانيين يفتخرون بفتوحاتهم في دول المنطقة، ويحتفلون بعودة الإمبراطورية الإيرانية. وأصبح البعض يعتبر إيران صاحبة القرار الحقيقي في بعض دول الجوار، كما أشار الأمير سعود الفيصل في مؤتمره الصحفي مع الوزير الأميركي جون كيري في الرياض في 5 مارس حين حذر من أن إيران قد استولت على العراق في حقيقة الأمر.
فبالإضافة إلى دور قاسم سليماني في معارك تكريت التي قال عنها الجنرال ديمبسي رئيس الأركان الأميركي في شهادته أمام الكونجرس إن ثلثي جنودها يأتمرون بأمر إيران وينطلقون من قواعد إيرانية، أعلن قائد القوة البرية في الجيش الإيراني العميد أحمد رضا بور دستان أن "5 ألوية من القوات الإيرانية دخلت الأراضي العراقية بعمق 40 كيلومترا،" زاعما أن ذلك تم بالتنسيق مع الحكومة العراقية، مبررا هذا الغزو بأن "المنطقة الواقعة على عمق 40 كيلومترا داخل الأراضي العراقية تعتبر خطا أحمر بالنسبة للقوات المسلحة الإيرانية".
أما علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني لشؤون الأقليات فقد قال في كلمة له في طهران: "إن إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا كما في الماضي.. إن جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وإن ثقافتنا غير قابلة للتفكك.. إن كل منطقة الشرق الأوسط إيرانية وكل شعوب المنطقة جزء من إيران، ونحن نريد تأسيس اتحاد إيراني في المنطقة".
وليست تصريحات يونسي تصرفا فرديا كما يظن البعض، بل تعكس خطابا إيرانيا متسقا بشأن هيمنة الثقافة الفارسية والنفوذ الإيراني في المنطقة، معتمدين على أوهام تاريخية تزرع بذور الفتنة العنصرية والمذهبية بين شعوب المنطقة.
ويبدو التوسع الإيراني مستبقا للأحداث، فبعض الإيرانيين يتطلع إلى توقيع الاتفاق النووي مع الغرب ورفع العقوبات لكي تنطلق يد إيران في المنطقة بشكل علني وواضح. ويشجع هذه المواقف الإيرانية ما يرونه من التغاضي الأميركي عن هذا التمدد.
وتبدو الولايات المتحدة وقد بدأت بالتخلي عن دورها التاريخي في المنطقة باستثناء محاربة تنظيمي داعش والقاعدة، واختزلت أمن المنطقة وقضاياها في هذين التنظيمين. وعلى الرغم من التصريحات الأميركية المطمئنة بشأن التزامها بأمن المنطقة نجد الولايات المتحدة وقد تخلت فعليا عن دعمها للمقاومة المعتدلة في سورية، حيث حصرته بمساعدتها على مقاومة تنظيم داعش، وليس النظام السوري. وفي العراق أثنت على دور إيران العسكري في معارك تكريت، على الرغم من تحذيرها عما يمكن أن يسببه هذا التدخل من تعقيد طائفي. وفي اليمن ما زالت مترددة في تقديم الدعم الفعلي للشرعية ممثلة في الرئيس عبدربه منصور هادي.
ولتفسير هذا التحول الأميركي يجب أن نضع في الحسبان الدورة الانتخابية الأميركية، حيث دخلنا رسميا ما يسميه الأميركيون فترة "الغروب" في العهد الثاني للرئيس الذي ينتهي فعليا بالانتخابات الرئاسية المقررة في بداية نوفمبر 2016، فلم يتبق للرئيس سوى نحو عشرين شهرا، مما يجعله بالتعبير الأميركي "بطة عرجاء". ولذلك فلا يتوقع أن يتخذ الرئيس قرارات حازمة أو مصيرية، بل سيركز من الآن فصاعدا على القضايا غير الخلافية التي يستطيع حلها وإضافة رصيدها إلى سجله التاريخي الشخصي.
وفي حين تستطيع الولايات المتحدة أن تبتعد عن المنطقة لبعض الوقت، فإننا باقون هنا لمواجهة تحدياتها المتزايدة، بما في ذلك خطر انتشار الأسلحة النووية. فعلى افتراض نجاح المفاوضات النووية مع إيران فإن أفضل ما يمكن توقعه هو تأخير حصول إيران على السلاح النووي فترة محدودة لا تتجاوز السنة.
ولهذه الاعتبارات فإن دول المنطقة، بقيادة المملكة العربية السعودية، يجب أن تسعى إلى حماية مصالحها بنفسها، بما في ذلك مواجهة الخطر النووي الإيراني. ومع أن الحوار بين دول المنطقة مطلوب لحل القضايا العالقة، فإنه لكي يكون ناجحا يجب أن ينطلق من موقع القوة لا الضعف.