كانت صدمتني كبيرة عندما رأيت الإعلامية كابي الطيف وجها لوجه في إذاعة مونت كارلو الدولية في باريس. المذيعة اللبنانية الأكثر شهرة عبر أثير الإذاعات العربية، خيبت ظني.
صوتها الصلب كان حاضرا كدهشة، حادا كماء، وعذبا كسهم حاد، ولم تكن هي كابي التي سمعتها عبر هوائنا العربي منذ طفولتي.
الإعلامية التي بدأت عملها في السبعينات في تلفزيون لبنان ثم إذاعتي بيروت وصوت لبنان، تغادر إلى باريس عاصمة النور محملة بأرز لبنان وذاكرة محاصرة بحكايا التاريخ العربي
وتساؤلات بودلير وسارتر والبيركامو وسيمون دو بوفوار، ثم تخلع عن كتفيها معطف القلق الوجودي العربي الثقيل، مسلمة الأمانة إلى مايكروفون الراديو الأكثر شهرة آنذاك "مونت كارلو".
وهنا وبعد رياض شرارة وحكايات تلفزيون لبنان، تلتقي مع حكمت وهبي وهيام حموي وأنطوان نوفل وجورج قرداحي وفايز مقدسي وفريدة الشوباشي ليحيكوا معا ثوب الحلم العربي المشتهى، عبر أصوات اختارت أن تكون حاملة التنوير والأمل إلى شباب عربي وجد في حضورهم الإعلامي خلاصه الوحيد من الخيبة والإغلاق على الفكر والتكفير.
مسؤولية وعبء كبيران أن تضع في عنقك أمانة الحلم عندما تكون الأوطان حزينة، إلا إنهم حملوها.
لا شك في أن جيلي والأجيال الأكبر مني عمرا تذكر جيدا حضور هذه الإذاعة العريقة في العالم العربي، ففيما كانت بعض الأنظمة العربية تحاصر مواطنيها بالصوت والصورة النمطية لإعلام محلي منعزل ومراوغ، فتحت الإذاعة الباب واسعا على الحراك السياسي والديموقراطيات والأفكار التحررية والعلمانية في فرنسا وغيرها من البلاد الغربية، دون أن تفقد خطها الإعلامي المنحاز إلى الشعوب العربية في فلسطين ولبنان والعراق وسورية ومصر والخليج وصولا إلى المغرب العربي.
لم تكن الفضائيات قد غزت العالم حينها، وكان الاطلاع على حضارة الغرب الحديثة ترفا لا يحظى به إلا العرب الأغنياء الذين يقضون عطلاتهم على شواطئ الريفييرا الفرنسية أو في مقاهي لندن، وأحيانا عبر الأفلام الغربية التي تسمح الرقابة العربية بإتاحتها "طبعا بعد المونتاج"، أو عبر زيارات المغتربين وحكاياتهم الساحرة عن أرض الأحلام المليئة بالمفكرين والمثقفين والفتيات الشقراوات والحرية.
وحدها، كانت تكسر الصمت، تنقل الصورة، تسرب المشهد السياسي الممنوع والخبر العاجل ودوران العالم عبر الصوت، بعيدا عن ببغائيات الإعلام المتزوج "بعقد غير شرعي" مع استبدادات سيطرت حتى على الهواء الذي نتنفسه.
ثم تقطع المسافاتُ البعيدة في العالم المترامي الأطراف حبلَ السرة بين الوطن الأم وأبنائه الغائبين، فتصل مونت كارلو الود لتحيل هواءها جسرا لأقدام الغائبين يعبرونه عند اللقاء المباح، تصل الصوت بالصوت، الشوق بالشوق، والدمع بالدمع، فيعود الحنين شهيا كابتسامة "آلو معكم حكمت وهبي" في "مرسال الهوى"، و"قهوة سكر زيادة" وصباحات السيدة فيروز التي التقتها كابي الطيف عام 1994 عبر أثير الإذاعة، و"الوجه الآخر" الذي استضافت فيه إعلاميتنا البارزة كبار الشخصيات السياسية والثقافية والفنية في العالم العربي، ولا أنسى ما أسره سياسي كبير مازحا مع صديق لي بعد أن دعته كابي إلى الظهور في برنامجها قبل سنوات هامسا له: "بخاف أطلع مع الست كابي، من كتر ما عندها حضور بيفشي الواحد كل الأسرار، وبرنامجها خطير، الناس ما تعودوا يشوفو وجهنا التاني الحقيقي"، وأيضا ذاك السجين السياسي السوري السابق الذي قدم إلى باريس بعد خروجه من السجن مباشرة لرؤية وجهها، لقد "كانت رفيقته الوحيدة التي شاركته زنزانته طوال سنوات، صوتها كان نوره في عتمة المكان، إذ كان جهاز الراديو الصغير الذي هربه بصعوبة صلته الوحيدة بالعالم الخارجي وبصوتها، وحدها كابي الطيف اقتحمت الحارس والسجان والوحدة، وأبقته على قيد الأمل.
حاليا تقدم برنامج "سهرات باريسية"، هي دائما في إذاعة مونت كارلو الدولية، حاضرة رغم غياب الحلم، واثقة رغم انحسار اليقين، وجادة في حمل قضايا الإنسان العربي والمرأة، خصوصا رغم انهيار الجدية.
عرفت مونت كارلو من خلال صوتها، ثم عرفتها في مونت كارلو، وكانت صدمتي كبيرة، لقد خيبت ظني، لم تتقدم في العمر، بقيت تلك الصبية الرزينة التي تجوب يوميا طرقات الاشرفية إلى المدرسة، لتقف أمام معلميها بجدية ووظائف منجزة وبديهة حاضرة غذتها كتابات قريبها المؤرخ العربي الشهير "فيليب حتى".
يا لخيبتي، كانت سيدة الإذاعات العربية وصاحبة المسيرة الصاخبة بالنجاحات، والقادرة على ارتجال أقوى البرامج دون أي تحضير جالسة في قسم مقدمي البرامج تعد برنامجها، منهمكة بكل تواضع وثقة ودقة في الاشتغال على خطابها الإعلامي الذي سيوجه إلى المستمع، للأسف لم تكن هي كابي التي عرفتها عبر أثير الإذاعة. إنها امرأة أخرى أقوى من الحلم والطيف.
كنت هناك، أختلس النظر، مأخوذة بها أنا المذيعة الجديدة، أفكر في ذاك السجين السياسي الذي حرره صوتها، في نفس اللحظة زعق "نجم إعلامي كبير" على إحدى المحطات في بلد عربي يشتعل بالفتن: "حد قلكو إنو أنا حمار؟"، لك التحية "كابي الطيف".