يتفنن خطباء المساجد أيام الجمعة بانتقاء مواضيع الخطبة لتكون أحد مؤتمرات التوجيه الاجتماعي على الفرد والمجتمع، وذلك باختيار موضوع ذي صلة بحالة اجتماعية في هذا الوطن.
وهنا أصبح التباري بين الأئمة الفصحاء في جلب المستمعين والحاضرين، وكنا إلى عهد ليس ببعيد نختار هذا الجامع أو ذاك لنستمع إلى الشأن السياسي من أحدهم، والرأي الاجتماعي والشبابي من آخر، وهكذا حتى تصبح الخطبة أحد المؤثرات على ذوي البصيرة وعوام الناس، ويقع الإمام في حيرة اختيار موضوع الخطبة، وكان هناك خطباء في الرياض ومكة والدمام مثلاً يُشار إليهم بالَبنان عندما يذكر الفصحاء والخطباء في الأمة السعودية حتى هيأ الله للحرمين من اعتلى منبرهما ليكفيَ الناس همَّ البحث عن مسجد يتَميَّز في خطبه عن غيره، وأصبح الناس على موعد أسبوعي مع منبر الحرم الذي يوجه العامة والخاصة ويشركُ معه ذوي العلم والبَصيرة من رجال التوجيه والإصلاح وغيرهم.
ولهذا أجزم بأن الناس وعلى مدى سنوات أصبح لديهم مؤشر اختيار خطبة الحرمين إذْ فيها غنيةُ عن غيرها من المساجد الأخرى مع تقديري لكل مجتهد يُحضر لخطبته. ومع شكري العميق للتواصل الجاد المستمر من معالي وزير الشؤون الإسلامية الذي يحرص على ضبط منابر التوجيه في المساجد كلها دون استثناء إلا شارداً عن منظومة الإجماع ووحدة الصف.
وهذا ما قد يَحدث بين فترة وأخرى ويحسب على الخطباء، أعود لأنقل لكم جانباً من مواضيع الحرمين ذات التأصيل الشرعي والبعد العميق في المجتمع المسلم إذ يدرك أئمة الحرمين رسالتهم وأثرهم على توجيه الناس إلى ما يعود عليهم بالنفع والأجر.. هل تذكرون رسائل تويتر من منبر الحرم التي صرح بها معالي الشيخ ابن حميد وبين خطر الشائعات.
أتذكرون خطبة الشيخ الدكتور السديس عندما حدد خطر الكلمة التي تنقل عبر وسائط التواصل وكونها تخرق سفينة الوحدة؟
أتذكرون خطبة فضيلة الشيخ صالح بن طالب وغيره من أئمة الحرمين مثل الشيخ الخياط والشيخ صلاح البدير وجميعهم وفقهم الله حريصون كل الحرص على تعميم الفائدة في نقل الكلمة الصادقة المؤصلة من الكتاب والسنة وكلام الصحابة العدول.
ما جعلني اُدير الحديث اليوم في هذا المقال لاُبين أهمية منبر الجمعة هو أن بعض الأئمة هداهم الله ونفع بعلمهم، أحياناً يختارون مواضيع بعيدة كل البعد عن هموم الناس ومصالحهم وما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، لقد سمعت في مجالس كثيرة لماذا لا تكون هناك لجنة لاختيار الأئمة والخطباء، فأجبتُهم أن هناك متابعة دقيقة من وزارة الشؤون الإسلامية بقيادة الشيخ صالح آل الشيخ وحرصاً على أن تكون الخطب في المساجد والدروس المنتقاة تدور في فلك الإصلاح الاجتماعي والبيان الشرعي لما يفيد المسلم في حياته وآخرته.
اليوم نحن أمام عالم يحتاج منا جميعاً إلى ضبط الكلمة التي تلقى في المنابر ووسائط التواصل الاجتماعي فهي مسؤولية وأمانة في عنق كل مسلم، علينا جميعاً أن نحقق فيها الإصلاح لسفينة الوحدة وضبط المسؤولية أمام ولاة الأمر أولاً، وأمام مجتمع يطبق الشريعة الإسلامية حتى لا تضطرب سفينة الأخوة ولا نصرف الناس إلى أمور بعيدةٍ عن حياتهم، وربما يخرج المسلم من مسجده دون أن يستفيد كلمة واحدة مع الأسف أننا أمام وحدة الكلمة وأمانة المنبر حتى لا يَستغله من لا يدرك قيمته وأهميته في إصلاح الرعية، وتذكروا جميعاً خطب النبي صلى الله عليه وسلم الذي حرص عليها ووجه الأمة إلى الاقتداء بها حينما أكد على قصر الخطبة وطول الصلاة فجعلها علامة في فقه الرجل وتميّز علمه، فصلوات الله وسلامه على معلم الناس الخير ووفق الله الجميع للاقتداء به.