من المعروف أن الحياة "خيار" كبير، فلولا تعدد الخيارات في الحياة لأصاب الإنسان الملل الذي ربما يوصل إلى الجنون.
أن يختار الإنسان نوعا واحد من الطعام أو الشراب، يعني أنه
سيصاب بفقر في مقدرات الجسد، وبالتالي اعتلال الصحة فالمرض أو الموت ربما!
عدم وجود خيارات متاحة للإنسان في مكانه الذي هو فيه، يعني أنه سيخرج منه ليبحث عن تعدد الخيارات تغييرا لروتينه وتحقيقا لذاته وراحته.
والسؤال الملح اليوم: لماذا يهرب السعوديون إلى دبي زرافات ووحدانا في كل إجازة؟ الجواب بسيط ومنطقي: في دبي لديهم كثير من الخيارات، يجدون راحتهم التامة في العيش "طبيعيين" دون وجود فرقة تلاحق الشباب والنساء في الشوارع لتفرض عليهم قسرا ما لا يريدون وبالقوة. وفي دبي يجد السعوديون ما لا يجدونه في بلادهم، الأماكن والشواطئ والأسواق النظيفة، بخياراتها المتعددة، فالمجمع التجاري يحتوي على قاعة للصلاة وقاعة للسينما، ووسائل ترفيه متعددة للأطفال والكبار، إذ يجدون لديهم خيارات متعددة من الخدمات يمكن أن يشاهدوها بدءا من الوصول إلى المطار، حيث لن يجدوا وجوها غريبة تناديهم من بين العابرين: "سيارة يا الشيخ"!
كما أن في دبي خيارات أخرى متعددة للتنقل تتراوح ما بين "المترو" والسيارة، إذ يجد المسافر نفسه في وسيلة نقل بمنتهى النظافة والراحة، ولن يزعجه أحد بالنظرات الغريبة والمستغربة، فكل إنسان "في حاله" كما يقال، ولا يسمح العرف ولا القانون بالتطفل على الآخرين أو مضايقتهم، وإن حدث فهناك حلول حازمة ونظم صارمة.
دبي ليست من أهم المدن السياحية في العالم فحسب، بل من أهم مدن العالم في مجالات عدة، السياحة أحدها، وهذه الحقيقة الراسخة منذ أكثر من عشرين عاما لا يمكن إنكارها، إذ أصبحت إمارة دبي اليوم إحدى أهم الوجهات العالمية، ويقصدها السعوديون تحديدا منذ سنوات، ولقربها الجغرافي والديموغرافي والثقافي من المملكة وبقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث يشعر المواطن الخليجي أنه في بلده الأول لا الثاني، كما يجد فيها تعدد البرامج والفرص سواء على مستوى العمل أو السياحة، إذ تتميز دبي بعاملين رئيسين يجعلانها في مقدمة الدول التي تجتذب السياح الخليجين، الأول يتعلق بوفرة الخيارات بالنسبة للفرد والأسرة في الراحة والاستجمام أو العمل، والثاني يتعلق بطبيعة المدينة ونظامها الصارم ففضلا عن نظافتها، أصبحت دبي مدينة عالمية يمكن للمسافر إليها الإطلاع على تعدد الثقافات واللغات والجنسيات من خلال مرتاديها والمسافرين إليها، ورغم هذا التعدد الثقافي الكبير، يجد كل إنسان مختلف ما يناسبه من برامج، وقد نجحت دبي أيضا من خلال شركة نقلها الجوية الوطنية الرائعة "طيران الإمارات" أن تكون محطة عبور لملايين المسافرين سنويا إلى مختلف دول العالم في القارات الخمس.
في دبي تتوافر الحرية الفردية، لكن لا يشاهد القادم إليها مظاهر للفوضى في الفضاء العام، بل يشعر بالشعور نفسه الذي يشعر به أثناء السفر إلى لندن أو باريس أو جنيف أو فيينا: أنت حرّ ما لم تضرّ. فالحرية تنمي الشعور الحقيقي بالمسؤولية تجاه الآخرين، وتنمي استقلالية الفرد، وتفرض على تصرفاته مبدأ احترام القانون والآداب العامة.
في دبي ينفق السعوديون مبالغ طائلة بلا شك، لكنهم ينفقونها بنفس راضية لقناعتهم أن ما ينفقونه هو ثمن مناسب لراحتهم، ولا توجد أي فرصة للتلاعب بالأسعار والخدمات المقدمة، فكل شيء واضح ولا مجال للضبابية، وأن تذهب هذه المبالغ إلى دبي فهي تستحقها لأنها استطاعت أن تجتذب كل الشرائح والفئات، وفيها يجد كل فرد شرقي أو غربي أو عربي ما يناسب ذائقته وثقافته.
إن "الهروب الكبير" إلى دبي الذي وصفه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي، هو هروب إلى الذات. إلى الإنسانية. إلى الواقع، هروب من النمطية إلى الاختلاف، هروب من الفوضى إلى النظام، هروب من الضجيج إلى الهدوء، هروب من الفرصة الواحدة إلى تعدد الفرص والخيارات.