يؤلمني أن يتعرض أبناؤنا وبناتنا لذات التجارب السيئة التي خبرناها عندما كنا في أعمارهم، نتيجة لمناهج لم تراع مرحلتنا العمرية، ولا طبيعة الأسئلة التي تتناهش العقول الصغيرة ؛ ولا الصراعات النفسية المصاحبة لها؛ ولا ذهنية الطفل وسماتها وهو يخطو خطواته الأولى نحو المراهقة! لذا أنزعج كثيرا عندما أرى أننا نرواح في مكاننا في المناهج برغم المبالغ الكبيرة المرصودة للتطوير! وعندما أقرأ حديثا شريفا في منهج ابني لمادة الفقه يقول : "أكثر عذاب القبر من البول"؛ أعود بذاكرتي لتجربة مرت بي وأنا في المرحلة المتوسطة؛ ولعل كثيرا منا مروا بذات التجربة وإن بأشكال مختلفة! فقد كنت أقضي الساعات الطوال في سريري مسهدة مؤرقة، أبكي وأبكي خوفا من عذاب القبر، وأقضي الساعات الطوال في دورة المياه لأتأكد من طهارتي، ولأعيد الوضوء مرة تلو المرة تلو الثالثة والرابعة لأتأكد أنني أسبغت الوضوء وأنه وصل للعقبين وغطى المرفقين، وعندما يصادفني بلل ما في السجادة أسارع لغسل طرف ثوبي وقدميّ لأتأكد من طهارتهما؛ لتوهمي أن البلل نجاسة حتى لو أكدت لي والدتي أنه شاي مدلوق على السجادة، لتضيع أوقاتي بين البكاء خوفا من عذاب القبر، وبين دورة المياه وعمليات ومشاغل التأكد من الطهارة! ناهيك عن ارتعاد فرائصي من الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة على صخرة سوداء في ظلمة الليل؛ حتى أضحى الخوف من الشرك وسواسا قهريا يجالسني ويصاحبني في كل مناحي الحياة! وهنا كان لا بد أن أستحضر كل قدراتي لأراقب ما يخرج من جوفي من ألفاظ قد تؤدي للشرك، وأراقب ألفاظ أهلي التي كانت تتسم بالكثير من التلقائية والعفوية. حتى إن والدي – شفاه الله – كان يلقبني بشيخة العائلة وهو يبتسم ابتسامة كبيرة متسامحة لكثرة ما ألقيه في وجوههم من أوامر ونواه وحرام وحلال و"يجبيّات وينبغيّات"! وعندما ضاقت طفولتي ذرعا بمناخ الوساوس؛ ومثالية وطوباوية ما فهمته - كمراهقة - من مظاهر التدين، اتجه تفكيري إلى الشك ومساءلة المسلمات التي أقرؤها في المناهج الدينية، لأدخل في دوامة من نوع جديد كاد أن يصل معها عقلي الصغير لحافة الانفجار! ومرحلة الشك الديني هي إحدى سمات فترة المراهقة التي تموج بكافة أنواع المشاعر المتناقضة وتتصف بحدّية المشاعر وسرعة تقلبها والانفعالية والحماسة، وبالأسئلة الوجودية الشائكة المتراقصة كالشياطين تبحث عن إجابات! ولم ينقذني من لجة هذه المشاعر المظلمة إلا وعي أبي وإدراكه لطبعية المرحلة التي أمر بها، واحتضانه لي بالحوار الحميمي الذي يشجعني على إطلاق عقال أسئلتي دون خوف أو وجل، فقد كنت – بالطبع- أخشى أن أبوح بأسئلتي في المدرسة! وكثيرا ما كان يؤكد لي أن الإنسان لا يحاسب على ما يجول في خاطره تاليا أواخر سورة البقرة حتى يصل للآية "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"، شارحا لي خشية الصحابة رضوان الله عليهم من أن يحاسبهم الله على أفكارهم والآيات التي نزلت إجابة على تساؤلاتهم!
غدا نلتقي لأكمل لكم