"قالوا سنّة.. قالوا شيعة.. وأتساءل: ليه هالدنيا الوسيعة.. تضيقوها؟! خل إيمانك بربك، وانتبه للي يحبك، وارفض الأشياء الشنيعة! بالمحبة والسلام.. والعصافير الجميلة واليمام.. واحترام الاختلاف.. لا تبوق ولا تخاف.. تصبح الدنيا بديعة".
هذا الشعر الجميل قائله شاعر حائل المبدع عثمان سالم المجراد، ذلك الشاعر المتجرد من الأنا، العابق بالحب عبر قصائده الفرائحية، وتلك التي تقرأ الحب بكل تجلّ، حتى بات مصدر إلهام لشعراء كثر، وبكل أسف إن أكثر من يحتفي به ويقرأ شعره هم من في الكويت والعراق وبعض أهل الشام، عبر وسائل إعلامهم المختلفة، أما ربعنا فما عليهم إلا بمن يجيد خواء الكلام والتطبيل المبالغ فيه، لكن عثمان المجراد، وعبر قراءة النقاد الكبار، شاعر حين يتحدث، وشاعر حين يصدح، فالشعر جزء من حياته وكيانه الإنساني.
لن نطيل في سيرة شاعرنا الكبير، لأنه أكبر من أن نشير إليه عبر هذه السطور، لكن ما لفت النظر الرسالة التي تتضمنها هذه الأبيات السهلة الكلمات، العميقة المعاني، فهي تعيدنا إلى الذكريات الجميلة، إلى ما قبل الربع الأخير من السبعينات الميلادية من القرن الماضي، حينما كان الناس في بلادنا لا يعنيهم هراء الطائفية ولا عبارات التشكيك.
الكل على المحبة والتآخي والجيرة الحسنة، فلم نجد ويلات الكره والعمل السيئ إلا حين انبرى المتعصبون لقيادة الرأي الثوري على الآخر، فبات المسلمون فسطاطين متكارهين.
هذا الكره والتدمير غيّر في المفاهيم لينقلب إلى شأن سياسي بغيض، ولا نخجل هنا إذا ما قلنا إن دولة مثل إيران قد أطّرته ووضعته كسياسة لا مناص منها، حتى قلبت العراق رأسا على عقب، بعد أن فعلت ذلك في لبنان، وهي في الطريق نفسه في اليمن، ولا نستثني متشددي السنة ومواليدهم غير الطبيعيين في القاعدة و"داعش"، وكيف أن الإرهاب وقتل من يخالفهم قيد أنملة من الدين هو السائد.
الأكيد أن هناك من استسلم لقادة التعصب حتى بات الكره والتباغض عقيدتين لا مناص منهما، وبما جعل منطقتنا تعاني هذا الأمر وتنشد السلامة منه. لكن لا شيء. ولا حتى هناك أي بصيص نور في آخر النفق، لأن الدول حينما تتبنى الطائفية كما هي إيران فالأمر لن يخلص بسهولة، بل سيزيد من لظاها واتساعها.
نقول إن الطائفية والتباغض اللذين ظهرا لنا مع اليوم الأول لإعلان الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979 لم تعصف بالمنطقة فقط، بل إنها أكلت إيران وبدلا من أن تجعل منها البلد الثري العظيم الرخاء بات عكس ذلك، وضحية لأمواله التي ينفقها لدعم الطائفيين ممن يشابهونه توجها في كل مكان في العالم، والأكيد أن الضحية الأكبر هو الفرد الإيراني الذي استمر يعاني وسيعاني كما هي الدول المجاورة وحتى البعيدة عن إيران التي أشعل المال الإيراني طائفيتها ودمر بنيتها وشتت أهلها.
نعود إلى ما بدأنا به عن شاعر حائل المبدع عثمان المجراد لنقول إن ما صدح به هو تعبير عن المنطق الحقيقي الذي نتمناه لمنطقتنا، لكن ستظل قذارة السياسة وحب التوسع تعزز امتطاءها الطائفية، لأجل تحقيق مأربها. وانظروا فقط إلى العراق واليمن ولبنان، لتعلموا كم يدفع أهل تلك البلاد الثمن الغالي لقذارة السياسة!