تحدثنا في مقالين سابقين عن (الأنا والجسد) و(ذبول الجسد وإشعاع الروح)، ورأينا ما ابتليت به الإنسانية في عصرنا من هوس جنوني بالجمال الجسدي والمظهر الخارجي، مما جعل تعريف الذات من خلال الجسد هوية أناس كثيرين، بل وانتقل إلى بعد آخر لم تشهده عصور سابقة من حالات مرضية، نظراً لدور الإعلام السلبي في تحديد صور ثابتة للمعايير الجمالية، وتصويره للناس إمكانية إحرازه والوصول إليه، بل وكأن تحقيقه أصبح من الأمور الطبيعية، في حين أن أقل من 5% من النساء يستطعن أن يصلن إلى ما يصوره لهن الإعلام من أوزان مثالية، وما ظاهرة الإكثار من النظر إلى المرآة إلا انعكاس لهذا الهوس المرضي، حتى الأشخاص الجذابون لم يستثنوا من هذه الظاهرة نتيجة فقدهم لثقتهم الداخلية.
وعرفنا أنه رغم ضرورة الأخذ بأسباب حماية الجسد، لأنه أمانة سيسأل عنها الإنسان "وعن جسده فيم أبلاه"، "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ"، و"خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ"، لكن عندما يصبح هذا الجسد هو الهدف والغاية، ينقلب ليصبح هوية، فيرى الإنسان من خلاله نفسه وقيمته الذاتية، وعندها يكون الإنسان قد اختزل عقله وروحه وكيانه كله في شكله وصورته الخارجية، وهنا يكون الإنسان قد تماهى مع صفاته الجسدية وتعلق بها تعلقاً مرضياً. فإذا حدث ذلك فاعلم أن وراءه (الأنا) المزيفة الوهمية والتي هي من صنع أفكار الإنسان وخياله وتصوره عن نفسه والعالم من حوله والبشرية.
فتصبح (الأنا) عند هؤلاء هي أجسادهم، وتبدأ معها معاناتهم النفسية، فعند هؤلاء يصبح الإحساس بالهوية والأهمية والقيمة الذاتية مرتبطا بشكل وثيق بالبدن والصفات الجسدية من قوة أو وهن وضعف ومن قبح أو جمال وجاذبية، وإن لم يكن هناك قبح إلا في الصورة المشوهة للجسد في عين صاحبها، وقد تكون بعيدة كل البعد عن صورته الحقيقية.
حقاً أن يقظة الوعي في الإنسان وقربه من ذاته الحقيقية وروحه النقية ومراقبته للـ(أنا) التي فيه كافية أن تكشف له كل أنواع التماهي والتعلق بالصور والأشكال، والتي منها الجسد، عندها ستضعف طاقة (الأنا) المتمثلة في جسده، فالتماهي بالصور والأشكال صورة من صور الغفلة، ورؤيتها بوعي الذات الحقيقية في الإنسان يقظة من تلك الغفلة.
تيقنت أن اكتشاف الطاقة في الجسد الداخلي للإنسان هو من أنجع طرق علاج التعلق بالجسد الخارجي، إنها الطاقة التي أودعها الله كينونة الإنسان في جسده الداخلي والتي هي جزء من الذكاء الكوني الذي يدير العالم ويدير أنظمة جسدك الداخلية بدقة متناهية دون أي تدخل منك، كجهاز القلب والرئتين والدورة الدموية وجهازك الهضمي وكل أجهزة جسدك الداخلية.
بل إن طاقة الجسد الداخلية تنعكس على خارجه، وقد تكون هي ما يسهم في تكوين الهالة النورانية التي تحيط بأجسادنا ويمكن تسجيلها وتصويرها بجهاز Kirlian. وهناك دراسات تشير إلى أن الهالة النورانية تزيد بالإيمان والعبادة، وتضعف بالمعاصي والذنوب التي يرتكبها الإنسان.
بل قد أمكن رؤية هالة مكان العضو المبتور من شخص سواء كانت يداً أو ساقاً، مما يشير إلى وجود نظام طاقة يطابق شكل الجسم الحي ولكنه مستقل عنه.
بدأت أستشعر عالم التدبير الذي هو من أمر الله ولا يخضع لعالم الترتيب والأخذ بالأسباب المادية. وبدأت أستشعر الطاقة الداخلية التي لا تنفصل عن المصدر، عن الروح، وأدرب نفسي على مراقبة نقطة الالتقاء بين الجسد الداخلي وبين الروح، فلا ينفصل قالب الطين عن الروح التي فيه، وكأنما سرت تلك الروح في كل ذرة من ذرات الطين، كل خلية وكل نسيج وكل عضو داخلي، والتي لا يصل إليها الإنسان إلا على قدر قربه من الروح التي نفخها فيه خالقه بالتقرب إليه سبحانه بأن تكون حياته كلها لله وبالله وفي الله، وأن تدور في فلك شرع الله.. إنه سجود القلب والجوارح في محراب الحياة.
تذكرت هنا القصة التي رواها مصطفى صادق الرافعي في كتابه وحي القلم بعنوان (الأسد)، وفيها خبر الشيخ العالم بنان ـ رحمه لله ـ مع أحمد بن طولون أمير مصر في عصر المماليك، وكان ابن طولون حاكماً طائش السيف يجور ويعسف، فجاءه الشيخ يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، فطاش عقله وأمر بإلقائه إلى الأسد، فجيء بأغلظ الأسود لديهم، وهو عارم الوحشية، وأجلسوا الشيخ في قاعة وأشرفوا عليها ينظرون وفتحوا باب القفص، فانطلق الأسد يزمجر ويزأر ويندفع نحو الشيخ، والشيخ ساكن مطرق لا ينظر للأسد ولا يحفل به، ولم يرع الناس إلا ذهول الأسد عن وحشيته فأقعى على ذنبه ثم التصق بالأرض هنيهة يفترش ذراعيه، ثم نهض نهضة أخرى كأنه غير الأسد، فمشى مترفقاً ثقيل الخطو وأقبل على الشيخ وطفق يحتك به ويلحظه ويشمه كما يصنع الكلب مع صاحبه الذي يأنس به، وكأنه يعلن أن هذه ليست مصاولة بين الرجل التقي والأسد، ولكنها مبارزة بين إرادة ابن طولون وإرادة الله.
وكما خرج الشيخ من ذاته ومعانيها الناقصة، أي خرج من (الأنا) المتماهية بالجسد الخارجي فكأنما خرج من جسده، خرج كذلك الوحش من ذاته ومن معانيها الوحشية، ولم يجد الأسد في الشيخ (أنا) التي يأكلها، ولو أن خطرة من هم الدنيا خطرت على قلبه في تلك الساعة أو اختلجت في نفسه خالجة من الشك لفاحت رائحة لحمه في خياشيم الأسد فتمزق في أنيابه ومخالبه.. حقاً أننا كائنات روحية في قوالب طينية بتجربة أرضية.. هنا تجلى لي عمق معنى الحديث القدسي الذي يقول فيه رب العزة والجلالة: "مَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ".