يبدو أن حراك الثقافة السعودية بدأ في الفترة الأخيرة يأخذ جانباً غير ما كان عليه من عمل سابق من ثبات على المناصب الثقافية لمدة طويلة، وذلك من خلال محاولات العديد من المثقفين فتح آفاق ثقافية جديدة بطرق مختلفة ربما كان صدور البيانات الثقافية أو الاعتراضات الطويلة على مسيرة الثقافة أو في الأخير الاستقالات الفردية والجماعية، فحينما كانت فيما مضى تواجَه المؤسسات الثقافية بنوع من الرفض الثقافي لسكونها من خلال الاعتراضات خارج المؤسسات الثقافية عليها باعتبار فشلها في تحريك الراكد الثقافي أو تبنّيها طرحاً ثقافياً غير حيوي، ولا يسير مع سياسة الانفتاح التي بدأت منذ فترة على الساحة السعودية صارت الآن هي التي تقود الاعتراضات على ذاتها وعلى طريقة إدارة العمل الثقافي، بمعنى أنها تتبنى نفس وجهة نظر مخالفيها؛ بل ويرفع بعض المثقفين تلك الاعتراضات الثقافية في وجه الوزارة نفسها التي عينتهم فيما مضى، لكن السؤل إلى أي مدى يمكن تحقيق تحريك ماء الثقافة الراكد من خلال قائمة طويلة من الاعتراضات تشكلت بطرق عدة كان آخرها ـ كما قلنا ـ الاستقالات الثقافية: الفردية منها والجماعية؟

في حال الأندية الأدبية بوصفها أحد ممثلي أوجه الثقافة في السعودية كانت هناك العديد من الحالات المختلفة من الاستقالات بعضها لها جانب شخصي والبعض الآخر كان لها جانب ثقافي، ويمكن القول: إنه لم يسلم ناد أدبي ـ تقريباً ـ من الاستقالات بشكلها الفردي في حين كانت هناك عدد قليل من الاستقالات الجماعية كان أكثرها اعتراضاً على بعض الأشخاص ممن يديرون العمل الثقافي في الأندية، في حين فاجأنا نادي الشرقية باستقالاته الجماعية التي كان سببها حسب ما اتضح في بعض الصحف أنه كان اعتراضاً على اجتزاء لائحة الأندية الأدبية واقتصار تفعيلها على جانبها المالي والإداري دون تفعيل انتخاب أعضاء مجالس الأندية.

والشيء بالشيء يُذكر، فقد كانت هناك استقالة مدوية تتصل بنا كسعوديين كثيراً، وتكاد تكون غير مسبوقة في الحراك الثقافي الإعلامي رغم عدم اتصالها رسمياً بوزرة الثقافة والإعلام السعودية، وهي استقالة الإعلامي المعروف: عبدالرحمن الراشد وبعض الطاقم الإعلامي المميز في قناة العربية والتي أربكت الرأي العام لثقل الرجل إعلامياً، ولثقل القناة نفسها، ولثقل الطاقم الإعلامي الذي استقال جماعياً قبل أن تعود المياه إلى مجاريها الصحيحة وقبل محاولات الإعادة. تلك الاستقالة كانت مقلقة لمراقبي تموجات الثقافة العربية لأنها تضع الثقافة والإعلام السعودي، حتى غير الرسمي منه، تحت مشكلة انزياح الحريات الثقافية والإعلامية عن المشهد بعد أن كان يتصدر قائمة التغيير الاجتماعي والإصلاح الثقافي.

قبل ذلك كله شهدت الثقافة السعودية أكثر تلك الاستقالات جدلا كونها جاءت من شخصية اعتبارية من داخل الوزارة نفسها ومن رجل كان له وزنه الثقافي والإداري في الوزارة، وهو الدكتور عبدالعزيز السبيل وكيل الوزارة سابقا للشؤون الثقافية، ومن هنا اعتبرت استقالة السبيل استقالة ثقافية حتى وإن صرح هو بغير ذلك خاصة بعد تعرقل لائحة الأندية وتحديداً فيما يخص لائحتها الانتخابية والتي استندت عليها أيضاً الاستقالة الجماعية في نادي الشرقية وجعلوها في صدارة أسباب تلك الاستقالة المفاجئة. لحقت استقالة السبيل استقالات فردية أخرى من بعض رؤساء مجلس إدارات الأندية في أزمن متباعدة قليلاً كرئيس مجلس إدارة نادي الرياض الأدبي الدكتور سعد البازعي وهو شخصية لها وزنها الثقافي في الأوساط السعودية واستقالته لن تصبح استقالة عادية بل هي استقالة ثقافية تنم عن شيء مرتبك داخل المؤسسات الثقافية، وربما تتجاوزه إلى أبعد من ذلك، أي إلى داخل الوزارة بوصفها الأكثر ملامسة لهموم المثقفين والمتصلة اتصالا مباشراً مع أعضاء الأندية جميعاً، كما لحق ذلك استقالة رئيس نادي حائل الأدبي الأستاذ: محمد الحمد بعد إعلانه الفائز بجائزة الرواية، وباعتبار أن نادي حائل الأدبي كان له نشاطه المعروف في تحريك الراكد الثقافي، ووصلت أصداؤه أبعد من جغرافية المنطقة المحدودة، فإنه سوف لن يقرأ المثقفون استقالة رئيس النادي إلا كونها حدثاً ثقافياً يضاف إلى سلسلة الأحداث الثقافية الأخرى.

وحينما جاءت الاستقالة الجماعية لنادي الشرقية فإنها جاءت لتؤكد الأزمة الثقافية التي تطال بنية المؤسسات الثقافية ولتزيد من إحراج الوزارة خاصة أن أكثر تلك الاستقالات جاءت بعد صدور لائحة الأندية الأدبية مما يعني الاعتراض الضمني أو الصريح على سير الثقافة السعودية وعلى إدارة المؤسسات الثقافية داخل الوزارة.

هناك البعض ـ كما قرأت في بعض المنتديات الثقافية ـ ممن يشكك في التوقيت الذي جاءت فيه تلك الاستقالات، خاصة تلك التي تحاول ربطها بتدني مستوى الثقافة، أو عدم تفعيل اللائحة، لأنها جاءت في وقت متأخر، أو لقرب التغييرات الوزارية القادمة لبعض الأندية، أو ربما تخوفاً من الاكتساح الإسلامي للانتخابات فيما لو تم تفعيل الانتخابات حقيقةً. وفيما لو سلمنا جدلاً بذلك، فإن هذا لن يحدّ من فاعلية تلك الاستقالات الاعتراضية على حال الثقافة أو مؤسساتها كونه تحركا إيجابيا لمحاولة التغيير ذاته، وفي التغيير يكمن الفعل الثقافي.

إن ظاهرة الاستقالات صحية بغض النظر عن الدوافع أكانت أسبابها شخصية أم كانت ثقافية؛ إلا أنها في كل أحوالها تنم عن تحرك ثقافي تجاه التصحيح، وهذه الرؤية، وإن كان فيه نوع من البراجماتية الثقافية، إلا أنها إحدى أهم القضايا التي كان على المثقف السعي لتشكيلها، والتي تشمل فيما تشمل حرية الرأي والتعبير كونها العماد الذي تستند عليه الرؤى الثقافية جميعها بلا استثناء لخلق حراك ثقافي حقيقي.