لا يمكن النظر إلى نتيجة هذه الحرب دون النظر بعمق إلى الأحداث والتحركات التي سبقتها، حتى نعرف أنها حرب من أجل السلام ومن أجل استقرار اليمن.
المملكة سعت منذ اندلاع الثورة في 2011 إلى احتواء الأزمات التي تزامنت مع تلك الثورة، واستطاعت أن تجمع بين الفرقاء لحلها باتفاقات عادلة انتهت بتولي هادي الرئاسة في اليمن.
لكن تلك الرئاسة واجهت صعوبات على الأرض بسبب عدم تحكمها في الجيش، وعدم وجود مال في البنك المركزي فباتت دون سلطة حقيقية، بسبب استمرار القوى التي كانت تحكم سيطرتها على كل مفاصل الدولة.
واستمر الحال كذلك حتى سيطرت بعض الميليشيات المسلحة على عدد من المحافظات وأصبحت تهدد الأمن والاستقرار، فضعفت السلطة وبدأ العبث بأمن اليمن بين القاعدة و"داعش" والحوثيين.
وتدخلت قوى خارجية تدعم بعض تلك الجماعات وبالذات الحوثيين حتى علا صوتهم وامتدت أيديهم إلى السلطة، ولم تستمع إلى صوت العقل والحكمة لتقدم مصلحة البلاد على مصالحها الشخصية الضيقة لمصلحة فئة أو حزب، وبدأ الحوثيون يتلقون الدعم المعنوي والمادي من قوى إقليمية ومدوا نفوذهم، وآل الأمر إلى أن استقر الحوثيون في صنعاء في 21 سبتمبر 2014، ثم توحدت القاعدة مع بعض القبائل ضد التمرد الحوثي في 9 أكتوبر من العام ذاته.
وبعد ذلك بأيام، وتحديدا في 14 أكتوبر، سيطر التمرد الحوثي دون مقاومة على ميناء الحديدة ومحافظات ذمار وإب والبيضاء، وفي 20 يناير 2015 استولى الحوثيون على القصر الرئاسي وحاصروا الرئيس هادي.
في 6 فبراير من العام نفسه أعلن الحوثيون تدابير انقلابية بحل البرلمان وتشكيل مجلس رئاسي. وفي 21 فبراير لجأ الرئيس هادي إلى عدن وأعلنها عاصمة موقتة.
وفي 13 مارس استعرض التمرد الحوثي قواته على الحدود الشمالية لليمن، وفي الـ19 من الشهر ذاته حدثت صدامات في عدن، واستعادت قوات الرئيس هادي السيطرة على عدن، بعد ذلك بيومين تقدم الحوثيون نحو الجنوب.
وفي الـ25 من مارس بدأت معارك قرب عدن واكتنف الغموض واقع الرئيس هادي، وبدأ الحوثيون يعقدون اتفاقات مع قوى خارجية منها 28 رحلة أسبوعية بين طهران وصنعاء بالتناصف بين الخطوط اليمنية والخطوط الإيرانية. ونتساءل حول هذا الاتفاق: كم عدد الذين يسافرون بين صنعاء وطهران ليحتاج الأمر إلى هذا العدد الكبير من الرحلات؟ وما الذي يمكن أن تنقله هذه الطائرات بين صنعاء وطهران؟!
في خضم كل تلك الأحداث، دعت المملكة الفرقاء إلى طاولة الحوار في الرياض ثم في الدوحة ولم يستجب الحوثيون، واستمروا في عنتهم واستيلائهم على السلطة ومقرات الدولة، والتحكم في مصائر الشعب بالقوة، وفشلت الجهود في الحلول السلمية حتى إن علي صالح المتحالف مع الحوثيين قال بالصوت والصورة: "هناك طريق واحد أمام هادي ورفاقه للفرار"، طريق البحر، بعد أن أعلن قفل كل المنافذ! كيف يمكن أن يتم ذلك في ظل حكومة شرعية موجودة على أرض الوطن؟ ولا يخفى على أي عاقل إلى أين يمكن أن تمتد الأمور، وإلى أي مدى يمكن أن تعم الفوضى ويمتد الخطر؟ وهل يمكن السكوت والركون والتفرج على كل تلك الأحداث حتى تصل إلى مستوى لا يمكن التحكم فيه أو صده؟
لم يستجب الحوثيون وصالح لصوت الأخوة والحكمة والعقل، فكان لزاما على المملكة أن تتخذ من الإجراءات ما يضمن سلامة اليمن وسلامة المنطقة لتكريس الشرعية ودحض الفوضى، فتشاورت مع العقلاء من الأشقاء والأصدقاء وكان قرار عاصفة الحزم.
من كل ما تقدم يجب أن نعرف أن المملكة ودول التحالف معها لم يهرولوا إلى عاصفة الحزم كخيار مباشر وسريع، ولم يكن ذلك الخيار مرغوبا فيه، بل إنه كان الخيار الذي دُفعت إليه دول التحالف دفعا للحيثيات السابقة.
ولعل المتفحص لتلك الحيثيات يدرك أنه قد يكون من الغباء السكوت حتى تتفاقم الأمور لتصل إلى حد لا يمكن علاجه بإنقاذ اليمن وشعبة وفرض السلام في المنطقة.
هناك قوى إقليمية تسعى لتسود وتفرق لتبقى، ولسنا من الغباء حتى لا نعرف أهداف وتحركات وأعمال تلك القوى. ولسنا من الغباء ولا من الضعف حتى نغمض أعيننا عن الحيثيات التي سبق ذكرها ولا نعرف مآلاتها.
الحاقدون الكارهون يريدوننا أن ننظر إلى تلك الحيثيات ثم نتجاهلها فقط من أجل أن تتحقق مآربهم ويصلوا إلى أهدافهم، ونقول لهم إننا من القوة –بإذن الله- ومن الفطنة أن نعرف أهدافكم وتحركاتكم وتحالفاتكم، ثم نتعامل معها بما تستحق.
ونأمل أن تكون عاصفة الحزم درسا يتم التعلم منه، والتصرف بالحكمة والمنطق اللذين يؤديان إلى ما نأمله في المملكة من السلام والأخوة بين الشعوب العربية والمسلمة، وأن يعلو صوت الحق والحكمة، وأن تتوقف القوى الإقليمية في العبث بأمن واستقرار دول المنطقة، وألا تضطر دول المنطقة إلى اللجوء إلى عواصف أخرى. اللهم أدم علينا السلام والأمن وأحقن دماء شعوبنا.