ما الذي تغير في المجتمعات العربية منذ الثمانينات من القرن العشرين؟ سؤال ربما نطرحه لنتذكّر!

فالحقب الزمنية قد لا تتباعد تاريخيا، لكن الفارق الحضاري بينها يبدو كبيرا، لا سيما بين تلك الفترة وما نعيشه الآن.

لقد عاشت المجتمعات العربية "خيبات" متلاحقة بدأت فعليا بسقوط بغداد (656هـ) بعد اجتياح العاصمة العباسية من قبل جيوش التتار البربرية التي استمرأت القتل والتدمير ما أمكنها ذلك، وما بين هذه الخيبة وخيبة تفكك دويلات الطوائف في إسبانيا "الأندلس" ثم سقوطها بيد الإسبان "1492م" - الذين اعتبروه استردادا لملكهم الضائع سابقا - فإن الحقيقة التي لمسها العرب المسلمون آنذاك، في مرحلة ما بعد سقوط الدويلات الأندلسية، هي وقوعهم واليهود تحت سطوة "محاكم التفتيش" التي أقامتها الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا لمحاكمة المهرطقين بعد التفتيش جيدا فيما تخفيه صدورهم لبحث حقيقة إيمانهم، وقد عانى المسلمون واليهود وغيرهم من الطوائف الأخرى في تلك الحقبة المظلمة، لا لشيء سوى اختلافهم الديني، وبالتالي عاشوا مطاردين مهجرين من أوطانهم، مهددين في أرواحهم.

لم يكن الأمر سقوطا سياسيا للعرب في تلك الحقب الرهيبة، إنما كان انهيارا شبه كامل للحضارة العربية التي كان يفترض أن يبحث المنتمون لها عن سبل جديدة للنهوض من جديد، من خلال إعادة تشكيل الهوية العربية المتشرذمة دينيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا، إلا أن الأمر تكرس بشكل أكبر طوال ستة قرون من السيطرة التركية/ العثمانية التي كانت تعتنق الدين الإسلامي، لكنها كتمت أنفاس الحضارة العربية وجعلتها تابعة لها، لا بل سعت إلى إضعافها بشكل مستمر، فقد كانت السياسة العثمانية، كغيرها من الإمبراطوريات، تلجأ إلى العنف والقوة في إخماد الحركات التحررية المناوئة لها، ولذلك لجأ العثمانيون إلى ضمان وجود السلطة بيدهم مباشرة أو الولاة الموالين لهم في الأقاليم، مما جعل إسقاط كل رمزية عربية تهدد سيطرة الإمبراطورية هدفا، بمجرد أن يشير الهدف إلى استنهاض الهمة العربية، وهو ما تم فعلا من خلال السيطرة على أهم مراكز القوى في بغداد ودمشق والقاهرة لقرون، وقد أصرّت "الأستانة" مرات عدة على محمد علي باشا بضرورة غزو الجزيرة العربية لإسقاط المشاريع الواعدة التي كانت تهدد زعامة الإمبراطورية العثمانية للعالمين العربي والإسلامي، ما أدى إلى قيام إبراهيم باشا بغزو الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى وإسقاطها عام 1818.

وبعد هذا التاريخ بما يقرب من 100 عام انطلقت "الثورة العربية الكبرى" ضد الدولة العثمانية على يد الشريف حسين وكانت نتيجتها - مع نهاية الحرب العالمية الأولى - سقوط سورية (العثمانية) والعراق (العثماني) وعودة العرب إلى حكمهما من جديد.

إلا أن تطورا مهما وخطيرا حصل في العراق ومصر وسورية بعد الانقلابات العربية على نظم الحكم الملكية تمثل بظاهرتين مهمتين: الأولى هي الانقلابات العسكرية على الحكم المدني، والثانية خضوع هذه الدول الثلاث لحكم الأقليات والطبقات المجتمعية الريفية والفقيرة، وهو ما حصل في العراق وسورية ومصر، ومن بعد هذا التحول الكبير صارت نظم الحكم العربية غالبا خاضعة لحكم الطبقة الريفية التي تحولت إلى حزب واحد، كما حصل في مصر بعد (ثورة) يوليو، وكما حصل أيضا في العراق وسورية وليبيا بعد وصول صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي إلى سدة الحكم، حيث بدأ حكم العصبة والعائلة بالظهور ممتطيا الحزب والقومية العربية لتحقيق مآربه السلطوية، مما قلّص الاختلاف وأسهم في إشعال العصبيات الطائفية والعشائرية والطبقية، وإن بشكل غير ظاهر حقيقة، لتعود الأمة العربية إلى وأد الاختلاف الذي ناضلت من أجله قرونا إلى عصر النمط الواحد والوجهة السياسية الواحدة.