في الأسبوع الماضي، وقعت مواجهة بحرية بين ثاني وثالث أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. سبب المواجهة بين الصين واليابان هي جزر متنازع عليها في بحر الصين، تدعي كلتا القوتين كامل الحقوق في السيطرة عليها. مركب صيد صيني صغير فجر هذه المواجهة، فبعد دخوله المياه الإقليمية للجزيرة، توجه عدد من القطع البحرية لسلاح خفر السواحل الياباني للجزيرة، لإثبات سيطرتها القاطعة على الجزيرة. وقد نتج عن المواجهة بعض الأضرار الطفيفة لإحدى مراكب خفر السواحل اليابانية، والتي ما لبثت اليابان أن طالبت الصين بتحمل تكاليف إصلاح قطع خفر السواحل المتضررة كون الصين هي من اعتدت على السيادة اليابانية على تلك الجزيرة. بعد أيام قليلة، تراجع الموقف الياباني الرسمي عن مطالبه، وأخلى سراح الصياد الصيني، وغادرت قوات خفر السواحل اليابانية الجزيرة.

لم يكن للسبب في تراجع الموقف الرسمي الياباني أي موقف مضاد من الصين. فالصين لم تعلق على المواجهات، إنما أصدرت تعليماتها للموانئ الصينية بتشديد إجراءات تصدير شحنات الفلزات النادرة إلى اليابان, فما كان من اليابان إلى أن تراجعت عن كل مواقفها.

هذه الفلزات النادرة تستخدم في الصناعات الإلكترونية ومحركات السيارات الكهربائية وفي تعزيز كفاءة الخلايا الكهروشمسية بالإضافة إلى تقنية توجيه المركبات والأجهزة عن بعد. وبذلك تتضح أهمية هذه الفلزات النادرة للاقتصاد الياباني، إذ تعتمد صناعة السيارات اليابانية بشكل كبير على نجاح السيارات الكهربائية التي تقود شركات السيارات اليابانية بها سوق السيارات الصديقة للبيئية. بالإضافة إلى قطاع الإلكترونيات المتقدمة والذي يشكل معظم الصادرات اليابانية.

ويعكس الاسم الكيميائي لهذه الفلزات ندرتها، ولكنها في الواقع ليست كذلك، بل هي متوفرة في أرجاء العالم. المشكلة تكمن في طريقة وتقنية استخراجها، والتي تحتاج إلى استثمارات هائلة.

وتسيطر الصين اليوم على ما يزيد عن 80% من إجمالي الإنتاج العالمي لهذه الفلزات، الأمر الذي جعلها تحتل مكانتها الحالية كمسيطر نافذ على الإمدادات العالمية من هذه الفلزات. لم يكن الوضع كذلك قبل 30 عاما فقد كان عدد من الشركات متعددة الجنسيات تسيطر على هذه الصناعة، ولكن مع تنامي التطبيقات العلمية والعملية لهذه الفلزات، قررت الصين تطوير هذه الصناعة على أراضيها الوطنية، وتخفيض تكاليف إنتاج الفلزات النادرة، لدرجة اضطرت الشركات القائمة للتخلي عن إنتاج تلك الفلزات النادرة.

وفوق ذلك، قامت الصين بشراء الشركات الأمريكية والأوروبية للاستحواذ على أحدث التقنيات في مجال إنتاج هذه الفلزات. بهذا النهج تمكنت الصين من تأمين مستقبل احتياجاتها من هذه الفلزات التي تتزايد حاجة العالم إليها يوما بعد يوم مع الاتجاه إلى تقنيات صديقة للبيئية، وفرضت نفسها على أسواق العالم كمصدر شبه وحيد لهذه الفلزات النادرة.