جميع فضائياتنا العربية التي فاق عددها 702 فضائية تتكلم بلغات لا تفهمها الشعوب الغربية والشرقية معا، فأخفقت في مهامها لأنها موجهة أصلا إلى داخل العالم العربي وتقتصر على بث الأخبار من طرف واحد وتشتيت القضايا لتأليب الرأي الآخر. وتعاملاتنا السلبية والخاطئة في الفضائيات العربية، وسوء اختيار محاورينا في الفضائيات العالمية، ساعد الإعلام الإيراني والعربي الممول من إيران على استباحة ميدان القوة الناعمة لشن حروبها الكلامية على المملكة التي تقود عاصفة الحزم.
قبل أيام لجأت أبواق الإعلام الإيراني والمأجورين منهم والمرتهنين للخارج بكيل الاتهامات إلى المملكة دون رقيب أو حسيب، لتعلن أن تدخل المملكة في اليمن جاء بإيعاز من أميركا، وأن هذا التدخل غير المبرّر أدى إلى قتل الأبرياء وتشريد العائلات وتدمير البنية التحتية. وتجاهلت هذه الأبواق التدخل الإيراني في سورية والعراق ولبنان واليمن لدعم جحافل المرتزقة الذين عاثوا في الأرض فسادا وتكبّروا على هذه الدول وبسطوا سيطرتهم على شعوبها بقوة السلاح الإيراني.
الأدهى من ذلك أن الإعلام الإيراني والفضائيات العربية المرتهنة له يقومون بدعوة "خبراء" الإعلام العربي و"فقهاء" السياسة العربية من ضعاف الحجة وقليلي الحيلة وعديمي المعرفة، إلى الوقوف أمام خبراء الدهاء السياسي وعظماء خلط الأوراق وتلفيق الاتهامات وقلب الحقائق، للدفاع عن مواقف المملكة والتصدي لهم بطرق هزيلة ومعلومات ضحلة، تعكس تغيبنا التام عن مفهوم القوة الناعمة في إعلامنا. واستباحت إيران ساحات الإعلام بإنشاء 22 فضائية إيرانية موجهة للعالم العربي دون منافس واحد من فضائياتنا العربية، وقامت بدعم سبع قنوات فضائية مرتزقة عربية في عقر العالم العربي، لبث افتراءات الملالي وأكاذيب الأحزاب الجواري، ونشر الفوضى بين الشعوب العربية وتأليب ضعفاء النفوس على حكوماتهم.
قبل شيوع العولمة كانت السياسة الخارجية لدول العالم تعتمد على 18 تصنيفا دوليا تختص بشؤون الحيادية والأقلمة والأحلاف والمعاهدات. وفي عصرنا هذا أضافت الدول الكبرى تصنيفا جديدا يدعى "القوة الناعمة" الذي اعتمد على تسخير الإعلام الموجه في تطويع السياسات الخارجية وتوجيه مسيرة الحروب والمنازعات الإقليمية والدولية، لتتمكن هذه الدول من ترسيخ مواقفها ودحر المواقف المناهضة بقدراتها الإعلامية.
الأدميرال الأميركي "جوزيف ناي جونيور" كان أول من أطلق مفهوم "القوة الناعمة" مع بداية الحرب العراقية الأولى، حيث كان يشغل منصب رئيس مجلس الاستخبارات الأميركي. وجاء تعريف القوة الناعمة على أنها القدرة الإعلامية على إقناع الشعوب واستقطاب المواقف والسيطرة على الأفكار والعقول بأساليب دمثة تتميز بجاذبيتها الثقافية وحنكتها السياسية.
وبينما كانت القوة الخشنة في الماضي تكمن في القدرة على الإجبار والإكراه الناتجة عن القوة العسكرية والقدرات الاقتصادية، أصبحت القوة الناعمة اليوم تعتمد على الاستخدام الأمثل لوسائل الاتصالات وتقنية المعلومات لزعزعة ثقة الأعداء وتوجيه أفكارهم وإعادة ترتيب أولوياتهم، وفقا لمتطلبات الانبهار الإعلامي والجاذبية الثقافية الناتجة عن نشر الأخبار على الفضائيات وإشاعة المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن هنا تصبح زعزعة ثقة الأعداء في طبيعة أنظمتهم القائمة، أو تشويه صورة القائمين عليها، أو إغرائهم جميعا بمزايا الأنظمة الأخرى، هدفا رئيسيا للقوة الناعمة، لتكون الركيزة الثابتة للدولة المحبوبة، وتمنح قضاياها مزيجا من الإغراء والجاذبية، وتُوفر لقيادتها الكفاءة العالية والتكلفة المنخفضة. باستخدام القوة الناعمة أقنعت أميركا حلفاءها أن غزو العراق يهدف إلى إنقاذ العالم من براثن زعيم أسلحة الدمار الشامل التي لم تكتشف في حوزته لتاريخه، وبواسطة القوة الناعمة استمالت أوروبا معظم أعضاء الأمم المتحدة للموافقة على الإطاحة بعقيد ليبيا، من خلال كشف عوراته في الإعلام أمام ثورة شعبه وإحباط جهوده في لمّ شمل قبائله. ومن خلال القوة الناعمة كشفت الرأسمالية الغربية عن مساوئ الشيوعية الشرقية فأطاحت بسور برلين ووحدت شطريها وأرغمت روسيا والصين على الدخول في بوتقة العولمة.
ولأن القوة الناعمة تعتبر اليوم من أهم الوسائل المؤثرة في السياسة الخارجية بجميع مكوناتها ومدلولاتها، أصبح الإعلام الموجّه ضرورة مُلحة للدول كافة لما له من الأثر الأكبر على توضيح المواقف وتعزيز التحالفات وتحييد التشوهات. إلا أن العالم العربي ما زال متغيبا عن القوة الناعمة وغائبا عن مؤشرات المنظمات الإعلامية الدولية كافة، التي تحتل فيها أميركا المرتبة الأولى وإسرائيل المرتبة 26. فالعالم العربي، المتغيب عن هذه الحقائق، يواجه شعوبه بواسطة 702 فضائية عربية، لا تمتلك أي منها القدرة على اختراق المجتمع الدولي لتوضيح مواقفنا وإتقان فن دغدغة مشاعره ومخاطبته بلغاته والتأثير فيه، وذلك بسبب غياب الاستراتيجيات الإعلامية عن سياستنا الخارجية.
من الواضح أننا قد نخسر مواقفنا المشرفة في عصر العولمة الفضائية، كما خسرناها في المنظمات الدولية، حيث اكتفت جامعتنا العربية بالمشاركة في 72 منظمة فقط من أصل 3500 منظمة دولية في قريتنا الكونية، لنتغيب عن طبخ قضايا العصر ورؤى المستقبل، ولتحاك وراء كواليسنا مؤامرات الأعداء وخطط الحلفاء.
ومن الواضح أيضا أننا لم نقتنع ليومنا هذا بأن الفوضى الخلاقة التي تعيث في أرض عالمنا العربي فسادا منذ عشر سنوات، هي في الأساس صنيعة أعدائنا الذين فشلنا في تحديد هويتهم وتحييد أشرارهم وفضح نواياهم، لأن إعلامنا العربي الهزيل ما زال غير قادر على مقارعتهم ومحاورتهم وتفنيد مزاعمهم.
لذا حان وقت تطوير قوتنا الناعمة وتدريب (خبراء) إعلامنا واختيار (فقهاء) سياساتنا حتى لا نتنازل عن مواقفنا المُشَرّفة ونخسر قضايانا وحقوقنا المشروعة.