أتساءل بعد مرور 13 يوما على بدء عمليات قوات التحالف العربي العسكرية المشتركة - عاصفة الحزم - بقيادة المملكة والهادفة إلى دعم الشرعية في الشقيق اليمن، كم إدارة مدرسية اقتطعت من يومها الدراسي للتحدث إلى الطلاب والطالبات عن هذه العملية وشرح أهدافها، وتعزيز الانتماء الوطني في أنفسهم من خلال هذا الحدث الطارئ على الوطن؟ وهل خصص المعلمون والمعلمات جزءا من إحدى حصصهم الدراسية لتبسيط الأمر في أذهان الصغار والمراهقين الذين لا يخلو تفكيرهم مع الأخبار الحالية من قلق والتباس في فهم ماهية الحرب وأسبابها؟ وكذلك، هل فكرت الجامعات باتخاذ مبادرات وطنية أو قامت بعقد حوار مفتوح مع طلابها حول الأحداث الراهنة وإشراكهم في الأمر بطريقة واعية ومدروسة كنوع من المشاركة الاجتماعية والوطنية؟
مثل هذه التساؤلات تقود للبحث عن دور التعليم - خاصة مراحل التعليم العام - في تعزيز الوطنية والمواطنة بطريقة صحيحة في نفوس الأبناء باعتبار أن النشء ومنذ سن مبكر يتأثر بالمواد الدراسية وطريقة تعليمها، بالإضافة إلى تأثره بما يتلقاه من خلال الأسرة والإعلام.
مفهوم الوطنية والمواطنة ملتبس كثيرا في أذهان البعض، حتى إن عددا من الباحثين لم يصلوا إلى تعريف موحد لهما، وبالإمكان أن نشير بعد العودة إلى بعض المصادر أن المقصود بالوطنية: الشعور الوجداني لدى الفرد تجاه وطنه من محبة وولاء ودافعية ذاتيه للعمل بإيجابية. أما المواطنة: فتشمل الجانب السلوكي المنبثق من إحساس الفرد بمسؤوليته تجاه وطنه، والتي قد تتجسد في عدة صور كالالتزام بالمبادئ والقيم الاجتماعية، والمشاركة الإيجابية في رقي وتطور وأمن الوطن وغيرها من السلوكيات التي تعكس فهما واضحا بحقوق وواجبات المواطن والوطن. ولأنه يُعول كثيرا على التعليم في تنمية الوطنية لدى النشء فقد اهتمت كثير من الدول بتبني مفهوم "التربية الوطنية" في مناهجها التعليمية. وهو المنهج الذي عرفه التعليم السعودي للمرة الأولى عام 1348 باسم: "الأخلاق والتربية الوطنية" ودُرست للصفين الثالث والرابع الابتدائي. ثم تغير اسم المادة في العام التالي إلى: "المعلومات المدنية". إلى أن تم إلغاء المادة في الخطة الدراسية الجديدة للمرحلة الابتدائية عام 1355 حتى ظهرت مجددا عام 1405. ومهما كانت المبررات لهذا التوقف كاحتواء بعض المناهج الأخرى للمعلومات ذاتها، إلا أنه من الواضح أن السبب الحقيقي وراء محاولة إلغاء فكرة الولاء للوطن الواحد والحث على المواطنة الصالحة كانت تحت تأثير ثلة استلمت تأليف المناهج واخترقت التعليم بشكل واضح في تلك الفترة، بل كانت تحارب النشيد الوطني حتى وقت قريب في بداية الطابور الصباحي اتباعا لمنهج إخواني سيطر على التعليم في تلك الفترة الزمنية. وقد خلت المناهج من التربية الوطنية حتى العام الدراسي 1405/ 1406 في ظهور خجول لعام واحد، وألغت مجددا حتى أقرت في عهد الوزير محمد بن أحمد الرشيد - رحمه الله - في العام الدراسي 1417/ 1418 حتى الوقت الراهن. والملاحظ أن منهج التربية الوطنية لم يدرج في تعليم البنات في المرحلة المتوسطة إلا مؤخرا بعد إقرار مشروع تطوير التعليم الشامل عام 1431، ثم تم دمج مواد التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية في منهج واحد باسم "التربية الاجتماعية والوطنية".
وبعيدا عن مدى استفادة الطلاب من محتوى منهج التربية الاجتماعية والوطنية الحالي، وعن مدى تحقيقه الأهداف التي وضع لأجلها، فإننا في ظل الظروف التي يمر بها الوطن خلال هذه السنوات من تطرف وهجمات إرهابية حدثت على أطراف الوطن وفي بعض المناطق، وما نسمع ونشاهد من تحزبات طائفية وفتن واقتتال في دول الجوار، جميعها تهدد وحدة وأمن الوطن وقد تؤثر في استقراره الاجتماعي والاقتصادي، نؤكد على وزارة التعليم أن تركز اهتمامها على تعزيز المواطنة من خلال منهج مدروس يبتعد عن التلقين النظري ويثري الطلاب والطالبات من خلال الورش التدريبية واللقاءات الحوارية والعملية، والزيارات الميدانية، والاجتماع بالرموز الوطنية التي قدمت للوطن عملا مميزا في مختلف المجالات الاجتماعية أو التعليمية أو الاقتصادية أو الأمنية. والتعريف بشهداء الواجب وشرح الدور الذي قدموا حياتهم ثمنا له، وتجسد محبة الوطن في الحرص على استقراره والحفاظ على الممتلكات العامة والمشاركة في الأعمال التطوعية والخيرية التي تصب في صالحه.
حينما أعلنت الحكومة السعودية عن بدء عمليات عاصفة الحزم شهد الوطن اجتماعا منقطع النظير في الترحيب بهذه العملية، والوقوف مع القيادة بالتأييد والدعوات، وقد سقط حتى الآن ثلاثة شهداء دافعوا بأرواحهم عن حياض هذا الوطن وحدوده بشجاعة ووطنية حقيقية. ولن يتأخر أحد في تلبيه النداء لو استدعى الأمر. ولكن هناك للأسف بعض الأصوات التي تحاول الاصطياد في الماء العكر من الداخل أو الخارج، وتستغل مثل هذه الأزمات لخلق الفتنة والانقسام، أو بعضا ممن يدعي الحياد ويحاول التشكيك بالهزل أو الجد في جدوى ما تقوم به القيادة من عمليات عسكرية أو سياسية في الوقت الراهن، وتتناول بسذاجة بعض الشؤون السياسية والعسكرية بالتحليل والنقد والافتراضات التي قد تؤثر في الوحدة الوطنية التي نحن أحوج ما نكون إليها الآن.
إن تعويد النشء منذ وقت مبكر على المواطنة بدءا من التربية في الأسرة ثم من خلال المناهج التعليمية، وزرع قيمة محبة الوطن لذاته دون تجسيده في شخوص أو متطلبات واحتياجات مادية، يخلق جيلا يعي أهمية السلوك الصحيح وقت الأزمات التي يمر بها الوطن، ويخلق فهما واضحا لدى المجتمع في طريقة التصدي لأي محاولات للنيل من استقرار النسيج الاجتماعي خلال هذه الفترات، والشعور بالمسؤولية تجاه الوطن في كل وقت وتحت أي ظرف.