لم تكن الثورات العربية بريئة من التأثير والتأثر مما جاءت به الدعوات العالمية الجديدة "نحو صياغة عالم جديد". وهذه الدعوات صادفت هوى في قلوب ووجدان كثير من القاعدة العامة، لما تحمله هذه الدعوات من وعود براقة في ظاهرها وأهمها الدعوة الكبرى (الأنسنة).
ولماذا برزت فكرة الأنسنة والترويج لها في أواخر العقد المنصرم بهذا الرواج والتسويق لها بشكل يحمل في طياته بذرة الشك؟ فلم تكن فكرة ناصعة لذاتها! فالفكر الإنساني قديم قدم الفكر والتفكير في جميع الآداب والعلوم منذ الشهقة الأولى للحرف!
ولكن وجد العالم ومنظروه أن الوطن العربي ذو موقع مركزي له، وممراته المتحكمة فيه أيضا، ثم لا تخفى على أحد تلك الثروات التي يحويه! هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن الفقر والجهل المعرفي تفشى مع الزيادة السكانية في القاعدة العامة، بينما كانت السلطة المركزية والسلطة البديلة بعيدتين عن ذلك بينهما منطقة رخوة تتقبل أي أفكار بدون وعي أو تحليل، ومن هنا تم التسويق لفكرة (العولمة)، وهي بطبيعة الحال تختلف عن العالمية والتي نرى أن الكثير يخلطون بين المفهومين، ففكرة العولمة ارتكزت على أن الإنسان هو محور العالم، وهو المنوط بالرقي المجتمعي بجميع مستوياته، مثل الحقوق والواجبات ورفاهة العيش، وهو مطلب براق بطبيعة الحال.
هذه الفكرة جاءت نتاج الرصد الدقيق لما يعانيه المواطن العربي، خاصة في ضوء القنوات والتواصل وغير ذلك الانفتاح على العالم، فارتفعت الطموحات وعظمت الآمال. فكانت فكرة العولمة بالقياس لما رصد ولما كانت عليه المنطقة من توتر، وبالتالي استثمرت فكرة الأنسنة فكان الصراع بين القاعدة البنائية وسلطة المركز في البنية الاجتماعية، أما السلطة البديلة فتأرجحت بين القوتين، فمنهم من انضم إلى القاعدة ومنهم من اختفى من المشهد وأطلق عليهم (الفلول).
هذا الصراع الفكري الذي أنتج صراعا اجتماعيا وسياسيا كان مرتعا لكل المستفيدين. فظهر الفكر الاشتراكي الجديد وكانوا من مشعلي الثورات "الأناركية" من منطقة القوة الصاعدة التي تخترق القوة البديلة والنائبة نحو المركز، وهو فكر يتماس مع الفكر الاشتراكي إلا أنه يختلف عنه في مسألة الهدم والفوضى، كما أطلقت عليها كوندليزا رايس (الفوضى الخلاقة)، وهو هدم الدول من أجل إعادة بنائها! لم يكن عامة الثوار يدركون ما هو الفكر المؤسس لهذه الزعزعات بقدر ما كانت الأفكار البراقة تلوح في الأفق، وهذا الفكر يتلخص في:
1- أن العالم الجديد من وجهة نظرهم يبنى على الفرق الطائفية، حيث القاعدة البنائية للبنية الاجتماعية زاهرة بالفرق المذهبية والعقائدية، ومن هنا كان خطاب قلقلة البنية وخلخلتها، ولذلك شاهدنا تلك الخرائط التقسيمية أنها كانت على أساس طائفي!
2- فكرة انحسار الدولة، وتقلص الدول، ولكنه لا يتأتى ذلك إلا بطمس الهوية.
3- محو الهوية. فلا انحسار للدولة سوى بمحو الهوية والقومية، وهذا ما طرحه فريدريك إنديك في مؤتمر الثورات العربية، حيث قال عن استهداف الشباب: إن الشباب الجدد لا يؤمنون بالهوية والقومية ولا بالماضي ولا بالتراث، إنهم أفضل من آبائهم. وهو ما وجدناه في تحطيم التراث وحرق المتاحف وتحطيم كل ما له علاقة بالماضي، وهذه فكرة انتزاع الهوية.
4- موت الدولة. وذلك يعني موت العالم العربي، إذ إنه إذا ما تم التقسيم إلى دويلات صغيرة بحسب الخرائط المنشورة فلن يتبق سوى الدول العظمى التي ستحكم العالم وتحدد مصائر الإنسان نفسه، فهي ترى في نفسها قوة فاعلة تستطيع أن تدير ثروات هذا الوطن وتخرج من أزماتها الاقتصادية التي ظهرت على السطح.
5- الارتكاز على فكرة اللا دولة، وفكرة اللا دولة هذه تعتمد على الفيتو الطائفي الذي سيحقق نوعا من الشتات في اتخاذ القرار وتشكيل دولة ضعيفة أو هشة في نهاية الأمر.
ومن هنا جاءت فكرة الجذر المتحرك للتنوع الطائفي، وهو مكون من مثلث أضلاعه (إيران، إسرائيل، تركيا).
لم تكن القاعدة البنائية تعلم كل هذه الأسس، وكنه هذا الفكر، فهي لا تعطي بالاً للفكر والوعي السياسي نتاج تدني التعليم والثقافة بين أطراف هذه القاعدة، فهبت تلعن، وتهتف، وتحرق، لأنها بطبيعة الحال مضغوطة بين طبقتين "السلطة النائبة، والسلطة البديلة"، وهو مبرر لما ثارت عليه، بينما سلطة المركز والسلطة النائبة تعلمان ذلك الفكر المخترق للبنية الاجتماعية، ولذلك نشب الصراع بين أطراف المجتمع كله، وهنا تكمن المفارقة.
ولذلك نوصي القائمين على مقدرات هذه الأمة بالتنمية والقضاء على الفقر والاهتمام بالوعي العام، خاصة المعرفة. ولله الحمد فقد وفق الله حكامنا في الاهتمام بهذه المحاور، ولذلك كانت حصنا حصينا أمام الاختراق الفكري، فظلت مستقرة قريرة العين أمام هذه الزعزعات وهذه النزاعات بالرغم من كثير من المحاولات، كما أن ذلك الحب الشديد والولاء بين القاعدة البنائية وسلطة المركز لم ولن يسمح لأي من هذه المحاولات.