حتى لا تضيع القضية في التفاصيل، فإن رجال الأعمال لدينا تخلوا عن مشروعات تعليمية عملاقة بسبب العوائق والبيروقراطية وعدم وجود هيئة متخصصة تذلل العقبات لترى هذه المشروعات النور. هذه هي القضية الأساسية وإليكم التفاصيل.
حملت لنا الصحف وتحديدا الاقتصادية في عدد الجمعة 10 أبريل 2015 أن تعليمات صدرت "لكل إدارات التعليم الأهلي والأجنبي في المملكة تقضي بعرض التسهيلات والمساعدات التي تجذب المستثمرين إلى التعليم الأهلي، وفتح قنوات جديدة للتواصل معهم". وأقول إن في وزارة التعليم "التربية والتعليم سابقا" خطة عشرية أعدت عام 1424 على أساس رفع مساهمة القطاع الخاص من 7.5% إلى 25% عام 1434. وأريد من معالي وزير التربية والتعليم الذي وجه بتذليل العقبات للقطاع الخاص أن يسأل عن نسبة مساهمة القطاع الخاص بعد سنتين من انتهاء هذه الخطة؟ ولماذا لم تتعد نسبة مساهمة القطاع الخاص 9%؟ هنا نستطيع أن نعمل بمهنية عالية للتطوير.
مشكلتنا أن كل وزير يأتي يبدأ من جديد دون تقييم للأعمال السابقة، بل ربما ألغى أو همش الجهود السابقة في الوزارة، وهنا ضياع للجهد والمال، والوقت الذي هو العدو الأول للتطوير، حيث نحتاج إلى كل دقيقة تماشيا مع السرعة المتناهية التي يشهدها عالمنا الرقمي. نحن في الوطن نحتاج إلى مساهمة القطاع الخاص في التعليم، وأقول لمعالي وزير التعليم إننا بالهيكلة الحالية لا نستطيع خدمة القطاع الخاص والزمن بيننا كفيل بإثبات ذلك أو نفيه. شواهدي هي أن الخطة العشرية لم تنفذ وأن رجال الأعمال يتراجعون بسبب المعوقات الكثيرة التي يواجهونها. الحقيقة الواقعة أن التعليم الأهلي مترهل من حيث الأداء، هذا أولا، وثانيا التعليم ما قبل التعليم الابتدائي - أو مراحل تعليم رياض الأطفال - لا يوجد بالمعنى الحقيقي بالرغم من وجود آلاف رياض الأطفال لدينا في التعليم الأهلي والحكومي، إلا أن هذه الرياض عبارة عن مجرد حاضنات للأطفال تقدم لهم وجبات تعليمية تتكرر في المرحلة الابتدائية، ولا جدوى منها لأنها ستتكرر في المرحلة الابتدائية، وأعني بذلك تفصيلا فقدان ما يسمى "المدى والتتابع" Scope and Sequence في رياض الأطفال، وهذه كارثة تحل بهذا النوع من التعليم، حيث يقول خبراء التعليم إنه في حالة التكرار في المرحلة الابتدائية يشعر الأطفال باسترخاء نتيجة سهولة المواد بسبب تكرارها، ويستمر معهم هذا الاسترخاء طيلة سنين دراستهم، ومن هنا تأتي كارثة التحاقهم بهذا النوع من التعليم، وكارثة قرار فتح مزيد منها في المدارس الحكومية، وهو ما أصدره معالي وزير التعليم أخيرا.
وزارة التعليم لا تستطيع تقديم تعليم رياض الأطفال بشكل مهني وصحيح. هذه حقيقة وأتحدى من يثبت بالأدلة والبراهين غير ذلك، والتفاصيل والمبررات والشواهد كثيرة لا يتسع المجال لسردها.. والحل؟ الحل، هو تسهيل حقيقي.. أكرر.. تسهيل حقيقي للقطاع الخاص للهرولة والاستثمار في مجال التعليم. الوضع الحالي هو معوق حتى للحبو نحو الاستثمار في التعليم الخاص. وما يتردد الآن حول إلغاء المنح الداخلية ثم إعادتها والتخبط في مثل هذه القرارات لا يشجع حتى في مجرد التفكير بالاستثمار في التعليم. وهنا أقترح إنشاء هيئة للاستثمار في التعليم تنشأ داخل الوزارة لتقوم بتذليل كل العقبات من استلام الأرض حتى استقبال الطلاب والطالبات في مدارس التعليم الأهلي. هي من يراجع وهي من يدافع وهي من يحل الإشكالات المتعلقة بالتراخيص والدعم والكهرباء والماء.. والمناهج والمعلمين والمعلمات وكل ما يتعلق بهذه المشروعات. التعليم هو - بعد الله - سبب تقدمنا ومنافستنا في العالم الأول، وهو يستحق أن نعيد النظر فيما نقدم له ومن ذلك مساهمة القطاع الخاص. أذكر مقولة شائعة لواحد من زعماء الدول المشهود لها بالتقدم عند مناقشة مشكلات اقتصادية في مناح متعددة للتنمية، حين قال: "ابحثوا مشكلة التعليم فقط وعالجوها وستحل كل المشكلات التي تناقشونها الآن".
التعليم له ارتباط بإنسان المدينة والقرية والفقير والغني وله ارتباط بالاقتصاد، وبه تتم المنافسة.. وبه بعد الله ننفذ من المراتب المتخلفة لنحتل أماكن متقدمة. التعليم يمثل الجزء الأكبر من ميزانية الدولة خلال السنوات الماضية، ولذلك انتشر التعليم العام والجامعي في جميع مناطق ومدن وقرى المملكة، وتطورت آلياته ووسائله، وتنقل لنا الأخبار دائما، وعن طريق وزراء التعليم إننا نحقق إنجازات ريادية على مستوى العالم، كان آخرها فوز عدد من طلابنا وباحثينا وأطبائنا بميداليات إنجازات نوعية في مجالات علمية. نعرف كل ذلك.. لكن خلاصة القول أننا نحتاج إلى مساهمة القطاع الخاص وتشجيعه، وأن تكون المساهمة من قبل القطاع الخاص بالمستوى المأمول وبنسبة يجب ألا تقل عن 25%. يتم ذلك بتأسيس هيئة داخل وزارة التربية تذلل مشكلات القطاع الخاص بحيث لا يتعدى وقت انتهاء معاملة المتقدم لاستلام الأرض والدعم وكل الإجراءات شهرا واحدا.. هذا ليس عملا مستحيلا إذا أردنا مساهمة فاعلة للقطاع الخاص.