ومن الثابت الراسخ بالبرهان، وبعد أربعة عقود من التجارب مع الثورة (الخمينية)، أن فكرة (الولي الفقيه) لا تؤمن بتجاور الأديان والمذاهب، ولا تعترف بفطرة الانتشار العقدي والمذهبي على خريطة الله ـ عز وجل ـ في أرضه وكونه. فكرة (الولي الفقيه) تقوم على مبدأ العاصمة الموحدة التي يستيقظ فيها الأتباع، أينما كانوا وفي أي دولة ومجتمع يعيشون، على (الفرمان) السياسي الصادر عن طهران في مصادرة مفضوحة مكشوفة لعواصمهم وبرلماناتهم وقصور رئاستهم المحلية. خذ هذين المثالين: تعيش دولة مثل لبنان كل هذا الزمن الطويل بلا رئيس، لأن طهران قررت للمثلث (المعطل) ألا يذهب أي رئيس منتخب إلى (السراي) ولو لربع ساعة حتى تنتهي هذه الأزمة. في اليمن ومنذ عهد سيف بن ذي يزن وحتى قبل ثلاثة أشهر، لم تشهد صنعاء مثل هذا الفراغ السياسي المخيف الذي جعل من أقدم شعب حضاري عربي خيمة مفتوحة بلا أعمدة ولا أروقة، وفي حالة سياسية نادرة لم تشهدها صنعاء في تاريخها، وكل ذلك تحت (الفرمان) الصادر من طهران إلى عبدالملك الحوثي في صعدة.

وخذ في المقابل أخيلة لهذا السؤال: ماذا لو قررت كل ديانة وكل مذهب أن تأخذ أتباعها في كل مكان إلى (فرمان) الولي الفقيه، وماذا سيحدث لخريطة الأرض الواسعة ومجتمعات هذا الكون ودوله؟ خذ هذه الأمثلة: في الفلبين يعيش اليوم 11 مليون مواطن كاثوليكي، ولك أن تتخيل لو أن هؤلاء اعتنقوا فكرة (الولي الفقيه) وازدواجية الولاء ما بين مانيلا وطهران. في ثلاث دول غربية فقط يعيش اليوم سبعة ملايين هندوسي، ولك من الخيال أيضا لو اعتنق هؤلاء فكرة (الهندوسي الفقيه)، وكيف ستكون نتائجها على المجتمعات التي يعيشون فيها اليوم. وفي ولاية (كيرلا) الهندية، وحدها، يعيش اليوم أكثر من ثلاثة ملايين سلفي تقليدي، فماذا لو كان هؤلاء يأتمرون كل صباح بـ(فرمان) يأتيهم من إحدى مدننا، كما يفعل الملالي مع كل جيب من الأقليات التابعة لمذهبهم في مدن الدنيا ومجتمعاتها المختلفة.

والخلاصة الأخيرة نتوجه بها إلى الإخوة الكرام في المذهب الشيعي المقابل في كل جيوب الخريطة العربية: لا يمكن لإخوانكم وفي محيطكم قبول هذا الازدواج من الولاء، لأن هذه فكرة بالغة الخطورة تخالف النواميس التي خلق الله عليها هذا الكون باختلاف أديانه ومذاهبه. ولو أن كل ديانة وكل مذهب وكل فصيل قرر أن يأخذ أتباعه إلى فكرة (الولي الفقيه) وفكرة العاصمة المرجعية الواحدة لساح هذا الكون في بحر من الظلمات والدماء والحروب، لأن خريطة هذه الأرض تعج اليوم بما لا يقل عن 3000 دين ومذهب يتعايش أتباعها إلى جوار بعضهم البعض في فسيفساء بشرية تستعصي على لوحة الألوان الواسعة أن ترسمها برقمها المدهش.