في الوقت ذاته الذي يوجد هنا على حدودنا مع اليمن الشقيق الآلاف من الشباب المناضل من أجل أمن الوطن ووحدته، هناك في  المستشفيات والمراكز الصحية من يعملون خلف الكواليس، بصمت وصبر، يواصلون الليل بالنهار متأهبين لأي حالة طارئة.

على سبيل المثال: منسوبو صحة عسير، يعملون على مدار الأسبوع وعلى مدار الأربع والعشرين ساعة وبروح معنوية عالية، متقبلين راضين، يشعرون بالفخر والاعتزاز وهم يقدمون خدماتهم الصحية للمناضلين. يضمدون جراحهم، ويتابعون وضعهم الصحي بشكل يليق بإنسانياتهم ومهنتهم العظيمة.

حقيقة، كنت ممن يظن أن الذين يعملون في القطاع الصحي، خصوصا المديرين وكبار الأطباء، كنت أظنهم مدللين مرفهين، يجلسون خلف  المكاتب فقط لكتابة الأوامر وتصفح الصحف اليومية، فإذا بهم أكثر الموظفين إخلاصا ونشاطا. رأيت هذا من خلال حالة لأحد الأقارب. حالة واحدة وجدت الجميع في وضع الاستنفار والعمل المستمر، فكيف حالهم ا?ن  ونحن في وضع الحرب يتوقعون استقبال حالات قد تكون بالعشرات، وقد لا تكون هناك حالات طارئة، لكن واجبهم وقسمهم الذي أدوه وإنسانيتهم تبقيهم في وضع التأهب والاستعداد، ومع هذا هم يؤدون عملهم على أكمل وجه. يجدون معوقات قد نظن أنها بسيطة، لكنها تسهم في إرباك الجميع. نستطيع بوعينا نحن كمواطنين تجاوزها: عدم تجاوب أصحاب الحالات المرضية العادية، وإصرارهم على أخذ دورهم رغم خطورة الوضع الراهن أمامهم. هذا يجعل الموظف في وضع صعب، ويربك العمل، ويخلق جوا من التوتر ربما يسهم في تفاقم مشكلة حلها سهل لو راعى الجانب الإنساني لغيره. وسوى هذا ما يجده موظف الصحة من انتقادات لفظية ? تستند إلى حقائق، وحجود لكل ما يقومون به من أعمال، وتهميش إنجازاتهم الجبارة والعظيمة أمام ما يرده البشر من الكمال المثالي الخيالي.

نحن متسرعون في الحكم دائما، ولو كنا نحن أصحاب التنظيرات والحلول التي تأتي لصالحنا دائما، لو كنا نعيش تفاصيل يومياتهم وما يعيشونه من قلق وتعب لراحة المرضى وللعناية بهم، لو كنا نقف بدل أي منهم وهو يتقبل الحالات الحرجة، فهل سنكون بالروح والصبر ذاتهما وتقبل الوضع؟ ليت الذين يهمشون دور هؤلاء البيض يزورونهم في مواقع عملهم، ويرون جهودهم قبل أن ينطقوا عن الهوى.

شكرا لكل هذه الأعمال الفائقة الإنسانية، شكرا لأولئك الجنود البيض قلوبا ورداء. شكرا لهم ذلك السخاء في الوقت والمشاعر. شكرا لهم مديرا وطبيبا وممرضا.