الحديث عن اتفاق لوزان حول الملف النووي الإيراني لا يدخل في خانة التحليل السياسي فقط، بل هو أمر مهم متعلق باستقرار وسلامة أمن المنطقة بأسرها. فنحن نعيش في منطقة واحدة، وعلاقتنا بإيران شهدت باستمرار مدا وجزرا، ولم تكن مستقرة سياسيا، على الأقل في الحقبة التي أعقبت إعلان قيام الجمهورية الإسلامية.

في موضوع الملف النووي الإيراني، لم يكن من السهل التوصل إلى حل الأزمة بين إيران والمعارضين لبرنامجها النووي قبل هذه المرحلة، رغم فرض حصار قاس على حكومة طهران، ورغم تهديدات متكررة بشن الحرب عليها.

قراءة الدوافع التي أدت بإيران والولايات المتحدة لتقديم تنازلات محسوبة حول قضية الملف، لا يمكن فصلها عن المتغيرات المتسارعة في موازين القوى الدولية، باتجاه انتهاء مرحلة القطب الواحد، وقيام عالم متعدد الأقطاب.

الاتفاق ضمن لإيران، وإن بشكل محدود، الاستمرار في أنشطتها النووية، لكنه فرض مراقبة دولية دقيقة على أنشطتها في عشر السنوات التي تعقب التوقيع على الاتفاق. بمعنى أن إيران ستكون بعد عشر سنوات من هذا التاريخ في وضع يؤهلها لمواصلة أنشطتها من غير مراقبة مستمرة. وقد أشار الرئيس باراك أوباما إلى أن امتلاك إيران لقنبلة نووية هو أمر محتمل جدا، لكن ذلك لن يشكل تهديدا للولايات المتحدة ولحلفائها بالمنطقة، نتيجة للقوة الهائلة التي تمتلكها أميركا في مواجهة إيران.

الاتفاق بصيغته المعلنة، سوف يوجد حقائق جديدة في المنطقة. فالبلاد العربية التي ظلت خشيتها في السابق مقتصرة على امتلاك الكيان الصهيوني للسلاح النووي، والتي عملت من خلال مؤسسات القمة، وجامعة الدول العربية، على العمل من أجل وجود منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، ومن ضمنها السلاح النووي، تدرك الآن أن الكيان الصهيوني ليس الوحيد في امتلاكه للقدرات النووية، وأن إيران أصبحت عضوا في النادي النووي.

على الصعيد المحلي، سيكون من تبعات ذلك أن البلاد التي تمتلك المال والقدرة ستشعر بتهديد محتمل آخر، وبفشلها في منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. وسوف تضطر هذه إلى العمل بجهد مضاعف من أجل الالتحاق بهذا النادي. ولن يكون أمام "المجتمع الدولي" ذريعة لمنعها من امتلاك القدرات النووية. وسوف يكون من نتائج ذلك انتشار التكنولوجيا النووية في المنطقة.

وقد بدأت التصريحات تتوالى من عدد من المسؤولين في المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي بأن امتلاك إيران للقدرات النووية سيفرض على هذه الدول مراجعة سياساتها، والعمل على امتلاك هذه القدرات لضمان أمنها واستقلالها.

أما البلاد العربية الأخرى التي يعد دورها مركزيا في حماية الأمن القومي العربي، والتي تفتقر إلى المال، فإنها لن تتردد -عندما تصبح التكنولوجيا النووية متوافرة في عدد من بلاد المنطقة، بينها الكيان الصهيوني وإيران- في اكتساب هذا النوع من التكنولوجيا، حتى وإن كان ذلك على حساب خططها التنموية، وتلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها. وسيكون من نتائج ذلك اتساع دائرة الفقر في هذه البلاد.

إن هذه المعضلة لا يمكن حلها إلا في إطار نظام عربي يعيد الاعتبار للأمن القومي، وينطلق من استراتيجية عربية دفاعية شاملة، تضع بعين الاعتبار الحقائق المستجدة والمتمثلة في شيوع امتلاك القدرات النووية، والتي شملت بلادا عديدة، تعد في نطاق الجوار بالنسبة للأمة العربية، وعلى رأسها الهند وباكستان والكيان الصهيوني، وأخيرا إيران.   

لقد راهنت إيران في تمسكها بامتلاك القدرات النووية، خلال أكثر من حقبة من الزمن على أوراق قوية، منها موقعها الجغرافي. ومنذ احتلال أفغانستان والعراق، في مطالع هذا القرن، وتحديدا بعد حوادث 11 سبتمبر 2001، أضافت إيران ثقلا جديدا لأوراقها التفاوضية. فقد قاد حلفاؤها بالبلدين المحتلين أميركيا، وبشكل خاص في أرض السواد، العملية السياسية التي أعقبت الاحتلال الأميركي للبلدين.

ولا شك أن علاقة قيادة إيران الاستراتيجية بالحكام الجدد في العراق، مكنتها من مد عمقها الاستراتيجي غربا، لتصل إلى حوض البحر الأبيض المتوسط. وكان لذلك أيضا ثقله السياسي على جملة الأوراق التي بحيازتها. فالأميركيون استثمروا كثيرا في أفغانستان والعراق، ولم يكن لهم أن يحققوا نجاحا نسبيا بالبلدين من غير التنسيق وتكامل الاستراتيجيات مع طهران.

من وجهة النظر الإيرانية، وكما أعلن الرئيس روحاني، فإن الاتفاق يفتح صفحة جديدة في العلاقات مع العالم ويسهم في إنهاء النزاعات في المنطقة. كما أنه يحفظ حقوق إيران النووية.

أما الدول الست، التي فاوضت إيران فترى أن اتفاق لوزان يقيد أنشطة إيران النووية التي ستسخر للاستعمالات المتعلقة بالأغراض السلمية فقط. ووافقت إيران على تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي التي تستخدمها في تخصيب اليورانيوم من 19 ألف جهاز إلى 6104، وستقوم بتشغيل 5060 منها فقط، بموجب هذا الاتفاق.

تشعر القيادة الإيرانية، أنها خسرت كثيرا بالحصار الاقتصادي المفروض عليها، وأن مسؤولياتها المالية في المنطقة قد تضاعفت وأصبحت عبئا عليها، وأنها بهذا الاتفاق ستتمكن من حل أزمتها الاقتصادية، وستحافظ على منشآتها النووية من التدمير وتتجنب حافة الحرب، وتحافظ على مكاسبها الاستراتيجية في عموم المنطقة.

والأكثر من ذلك أن علاقة طهران بأميركا لن تكون من الآن علاقة مع الشيطان الأكبر، كما روج لها إعلام طهران منذ الثورة الخمينية، بل ستقترب رويدا رويدا، إلى أن تصل إلى حالة التحالف. وستفتح الأبواب على مصراعيها للشركات وللمستثمرين الأميركيين، للعمل في مختلف الأنشطة الاقتصادية الإيرانية، والتعويض عما فات خلال ما يقرب من خمسة عقود. والمؤكد أن المنطقة بأسرها، بعد هذا الاتفاق لن تكون كما كانت قبله. ويبقى الموضوع بحاجة لتفصيل وتحليل أوسع في قراءات قادمة بإذن الله.