الوطن هو الماء الذي يرش ويطفئ جمر اليباب، هو روح الخصوبة في أكف الفلاحين والقمح المذوب في صمت الحقول، وطلعة النهار المستيقظ على سحنة الليل الطويل، هو اللهب والإعصار على رؤوس الطغاة ورعشة الحياة فوق أخشاب التوابيت، هو سلال الثمر ورغيف الشمس وصحو البروق على أفياء الأرض، هو عظام أجدادي ومنبت أحلامي المخضلة، هو زمني ومضغة قلبي المخضر والمثقل بعناقيد الفرح، هو تاريخي المضيء في مسالك الدروب ومسارج الأقمار، منذ أصغى الكون إلى وقع أقدام "عبدالعزيز" وهو يحوم كالصقر فوق ريح البيداء وحصباء الجبال وخرس السواحل، ليقيم على هاماتنا خيمة الوحدة ونسغ الألفة وتراتيل النور وفصول الحضارة وأسطورة التكوين، حين أوقف نزيف الشتات، ودفن أقبية الدم وديجور الفرقة، وشظايا الخراب وحطم شجر الظلام، ليت عبدالعزيز يعود ولو لنصف نهار ليرى "جزيرته" وقد أصبحت قلعة اشرأبت لها الرؤوس، وانحنت لها الدهور واستدارت لها البشرية، واستأنست واطمأنت بها شعوب المعمورة، فهي سادنة العدل وفيء الإيمان وقبة العصر وسجادة الصلاة وحضن المستجير. ليته يرى راياته وهي تصفع الريح وتدك الظلمة، وتسحق جماجم الخيانة ومخادع الشر وجذور التآمر. ليت "صقر الجزيرة" يرى أبناءه وهم ينسكبون كأهازيج البراكين الصاعدة من أنفاس الوطن المزروع بالعشاق، عشاق الكرامة والشهادة والموت النبيل، وينحدرون كالرعد وأصابع النجوم وينبتون سيوفا ورماحا وجباها لا تنحني إلا لخالقها. ها هو وطني سيد التاريخ الطافح بالبطولة والتضحية والفداء، فيه شموخ النخلة ورقصة البحر وعنفوان الجبال. إنه البلسم والعلقم، الريحانة والصبار، التمرة والجمرة، الأمان والعاصفة، العسل والمرارة، السيف والنخلة، الاخضرار واليباس، الناقة و"الأباتشي"، الغابة والسفح الموحش، الضباب والرمل، السنبلة والمنجل، ها هو وطني صرامة القرار وحضور الكبار وسيد المرحلة، يقيل عثرة العرب ويبعث في نفوسهم نداءات الحياة وروح الكرامة، بعد أن أصابهم العطب والموات وغبار الأفول ومطارق المذلة، كاد العرب أن يغرقوا في بحر الظلمات ويقعوا فريسة الإملاءات وجبروت الغرباء والمستعمرين، فأشرقت شمس الظهيرة من الرياض ليسمع الكون صهيل الفرسان المباغت ونخوة الرجال الفاتحين، وغضب الصابرين العظماء من أشعلوا عرس النار والبارود، وفجروا ضلوع الصخر واخترقوا حجب الغيم. ما فعلته الرياض أذهل العالم وأدار الرؤوس وأظهر المخبوء في دوائر السياسة، ليعيدوا فتح دفاترهم وليقرأوا سلمان وشعبه وخبايا هذه الأمة الاستثنائية، وما تحمله من صبر وحلم وأناة قبل أن تثور كالزلزال وتنقض كالمنايا وتنفجر كالجحيم المسعر.