عرفتُ الأمير تركي بن محمد بن فهد حين عملت لمدة عام نائبا لرئيس تحرير هذه الجريدة في المنطقة الشرقية وقد لفت نظري جدية هذا الأمير الشاب وفطنته وتوفره على قدر كبير من الاطلاع وسعة المعرفة، يضاف إلى ذلك دماثته وأريحيته وحسن خلقه.
إن ما يدعوني إلى هذا الاستذكار هو النجاح اللافت والتنظيم البارع الذي كان عليه معرض "الفهد" روح القيادة، الذي انطوت أيامه أمس الأول بعد أن حظي باهتمام عريض على الصعيدين الرسمي والشعبي، وكان ترؤس الأمير تركي بن محمد للجنة المعرض التنفيذية الدور الكبير الذي أسهم في نجاح هذا المعرض وجاذبيته للحضور المتدفق رغم تزامن هذا المعرض مع عاصفة الحزم، مما كان يخشى معه أن يتقلص الحضور الشعبي بحكم الانشغال والقلق الذي يصاحب العاصفة لكنها روح الفهد التي سرت في ذاكرة الناس عن هذا القائد التاريخي الذي شكل عهده مرحلة مفصلية في وجود هذه الدولة المباركة.
أجل فعلى الرغم من مرور السنوات على رحيل الملك فهد إلا أنه لا زال –وسيظل- محفورا ومتجسدا وماثلا في ذاكرة وقلوب المواطنين، وهم الذين تلمسوا في عهده المديد روح العزم والحزم والجسارة التي جعلته يتخذ بلا تردد أهم القرارات التاريخية التي أسهمت في حماية هذا الوطن من العديد من المخاطر التي كادت أن تعصف بأمنه لكنها النظرة القيادية بعيدة المدى التي تستشرف برؤية ثاقبة من خلال ما هو كائن قراءة وتوقع ما قد يكون.
كان الملك فهد -يرحمه الله- خامس ملوك هذه الدولة، وعهده هو العهد الأطول بعد عهد والده المؤسس، فقد حكم البلاد بالأصالة والنيابة قرابة العقود الثلاثة بما يشير إلى أن كثيرا من المفاصل والأحداث والتطورات التنموية والسياسية والتعليمية والاقتصادية والأمنية التي شهدتها المملكة قد تمت في عهده، وتحت نظره وهذا هو ما يؤكد على أن روح الفهد قد انغرست في وجدان الكثير من الأجيال السعودية التي شاخت، وتلك التي كهلت والثالثة التي شابت والرابعة التي شبت بعد صغرها، أما الجيل الخامس فهم من الذين هم دون سن العاشرة وتسري روح الفهد في عقولهم من خلال الأحاديث والذكريات التي يسمعونها من الأجيال الأربعة.
لقد تلون عهد الفهد بالتوازن الذي حافظ على هويتنا دون إخلال بالثوابت إلى جانب التحديث والتطوير الذي لم يتعارض مع هذه الروح الجامعة.
كما شهد عهد الفهد نكسة سعرية لبراميل النفط، لكن لم يشعر لا الوطن ولا المواطن بذيول وانعكاسات هذا الهبوط واستمرت التنمية والرخاء في مسارهما دون أدنى انعكاس سلبي وفي هذا الإنجاز دليل على حسن إدارة الثروة على نحو لم يمس المواطن في خياراته المعيشية ورفاهيته التي بقيت على حالها.
كما عصفت بالمنطقة العديد من الأحداث السياسية والحروب الأهلية والتعديات العسكرية واستطاعت هذه البلاد بروح القيادة الحكيمة والحنكة السياسية المتجلية أن تنأى ببلادنا عن هذه المخاطر حين استطاعت أن تردع الأطماع العراقية في الكويت وتعيدها إلى أهلها وأن توقف حرب اللبنانيين الأهلية من خلال اتفاق الطائف وأن تصلح ذات بين الكثير من الخلافات المغاربية.
لقد أحسن أبناء الملك فهد -رحمه الله- بعد استطعامهم لنجاح هذا المعرض وتلمسهم لحجم التدفق البشري الذي تدافع متلهفا ومتشوقا للتجول في أروقة وأجنحة هذا المعرض الذي صمم على نحو بديع حين قرروا عزمهم على إقامة مقر دائم لهذا الجناح واستثمار هذا النجاح في ديمومة الاستمرار ليطلع عليه من لم تمكنه الظروف خلال فترة المعرض من زيارته ولكي يبقى هذا المعرض علامة فارقة تؤكد على الروح الفارقة لهذا الملك المختلف الذي سيبقى خالدا في ذاكرة الزعماء الكبار الذين تركوا في وطنهم وفي وجدان شعبهم بصمة لا تزول.
شكرا لأبناء وبنات الملك فهد على هذا التنظيم الباذخ والنجاح الفاره وشكرا لهذه الرعاية الرسمية التي عززت من نجاح هذا المعرض.
شكرا لرئيس اللجنة التنفيذية الأمير تركي بن محمد بن فهد ولنائبه الصديق الدكتور يوسف الحزيم على هذا الجهد الذي أثمر قطافا يانعا وجهدا بارعا.
ورحم الله الملك فهد القائد الفذ في معرضه الذي نفخ فيه من روحه فتحقق له هذا النجاح الساحق.