بعض الأفكار والقناعات لها القدرة على شل حركة مجتمعات بأكملها وقتل أي روح للعمل أو إرادة للتغيير لدى أفرادها، وخطورة هذه الأفكار لا تكمن في كونها خطاباً بيّناً يهدف لنشر الإحباط واليأس ولكن في كونها أفكاراً مستترة يترتب عليها دون أن نشعر قناعات بعدم جدوى العمل وبحتمية فشل أي مثابرة، ولعل أبرز مثال على هذا الأمر يظل "نظرية المؤامرة" التي تشبعت بها أجيال عربية وتسببت هذه النظرية دون أن تشعر في قتل كل إرادة لها على التغيير. لهذه المقدمة أهمية، ذلك أنها تعكس من جهة أخرى منظور العلاقة التي باتت تجمع المسلمين بالعالم من حولهم، وبالأخص الغرب بعد العديد من الأحداث والأزمات في العلاقة "بيننا وبينهم"، فما بات يبشر به البعض لدينا هو أن الصدام "بيننا وبينهم" حتمية تاريخية لا بد من وقوعها وما هذه القضايا التي أثيرت والتي تثار إلا مجرد مؤشر على هذا الأمر، وأن الحملة على الإسلام ماضية.

إن مثل هذا المنظور الضيق الذي يفسر به بعض المسلمين علاقتهم بالغرب جعل إرادة التغيير لدينا عاجزة، فعندما نؤمن بحتمية فشل أي تحرك إعلامي حيث "يتحكم الصهاينة في الإعلام العالمي" وعندما نؤمن بحتمية فشل أي تحرك سياسي "نتيجة النفوذ الصهيوني على سياسات العالم"، فإننا نضع بذلك أمام الشاب المفعم بإرادة التغيير "حزاماً ناسفاً" كإجابة عن تساؤل كيف يمكن أن أصنع فرقاً؟

أولئك الذين يرون حتمية الصراع "بيننا وبينهم" يستندون إلى تحليل يسطّح حقائق الأمور، فالحملة التي يواجهها المسلمون إعلامياً في الغرب تصبح من هذا المنظور الاختزالي مجرد دلائل مستمرة على حتمية الصراع، لا مادة يتم التعامل معها بتحليل عقلاني.

سارة مجددي فتاة سعودية تقوم حالياً بتحضير رسالة الماجستير في الصحافة والإعلام ضمن العولمة في المملكة المتحدة في برنامج ابتعاث أوروبي يعرف باسم "إرسموس موندس" (Erasmus Mundes) وهو أحد برامج الابتعاث التي يقوم الاتحاد الأوروبي بتوفيرها للأوروبيين ومن ثم فإنه يندر أن يلتحق بهذا البرنامج آخرون من جنسيات أخرى ما لم يثبتوا كفاءة مرتفعة في مجالهم، وسارة من أوائل العرب الذين أثبتوا جدارة تؤهلهم للالتحاق بهذا البرنامج والذي يطوف بمبتعثيه على عدد من الجامعات الأوروبية.

سارة من أولئك الذين يحاولون النفاذ إلى عمق المسألة من خلال التحليل، فهي ومن خلال دراستها في مجال الإعلام وجدت أن الإعلام في زمن العولمة تحول إلى مسألة سباق سرعة لنشر الخبر على حساب المحتوى (Speed Vs. Content) وبالتالي فإن تصاعد الاعتماد على الإنترنت وعلى وكالات الأنباء وعلى المصادر المفتوحة أوجد ما تسميه "الصحفي المظلّي" (Parachute Journalist) حيث فقد الإعلام ركيزة أساسية في صناعته وهي "الاشتباك" و"الانخراط" (engagement) الذي يؤسس لأن يغوص الإعلامي ناقل الخبر إلى عمق المسائل التي ينقلها، وبالتالي فقد الإعلام قدرته على تقديم تحليل معمق للأحداث لأن وسائل الإعلام الحديثة باتت تنزع المحتوى من الخبر، في حين تساهم سرعة انتقال المعلومة في نشر الخبر بصورة تجعل "الحقيقة" ما هو "أكثر انتشاراً" ليس ما هو "أكثر دقة".

خلال دراستها في جامعة آرهوس (Aarhus University) بالدنمارك بدأت سارة مشروعاً تمثل في انخراطها ساعة كل يوم في المواقع الإلكترونية التي تروج للكراهية ضد المسلمين، حيث قامت بمحاورة المنخرطين في تلك المواقع، وهي تقول إن الناس سيستمعون إليك إذا تحدثت بعقلانية وبلغة حوار هادئة، سارة وجدت في هذه المواقع من نادى إلى تدمير الشرق الأوسط وقصفه بالصورايخ، ووجدت من عبّر عن كرهه للعرب والمسلمين بسبب معاملتهم للمرأة وهكذا، ولكنها واجهت هذه الانفعالات بلغة الحوار والمجالدة عليه وبتقديم مناقشات تتجاوز الصور النمطية التي أوجدها الإعلام، وعلى مدى عام انخرطت سارة في حوارات مع حوالي 400 شخص، تقول إنها استطاعت تغيير نظرة وأفكار 180 منهم تقريباً حول الإسلام والمسلمين والشرق الأوسط وسياسته.

تقول الأم تيريزا "إذا لم تستطع أن تطعم مئة شخص فأطعم واحداً"، فإرادة التغيير التي تصنع فرقاً لا بد لها من مثابرة وجلد، وكم منا من يضيع ساعات طوالا في يومه بلا طائل مخدراً نفسه بقناعات حتمية الفشل، وبالمثال فإن الحملة على الإسلام في الغرب ستستمر لأن نهر الجهل الذي يغذيها سيظل يجري ما لم نصنع سدّاً على هذا النهر، ولكن بناء هذا السدّ ليس ببعيد أو مستحيل، إنه يتطلب أن يرمي كل منا حجراً في هذا النهر.