لا يكاد يمر يوم دون أن نرى أو نسمع أو نقرأ عن مناشدات واستجداء لطب العلاج، وطلب الإخلاء الطبي، وطلب النقل من مستشفيات المدن الصغيرة إلى المستشفيات المتخصصة في الرياض، بل إن البعض يفتح حسابا خاصا في "تويتر" ويراسل المشاهير لإيصال صوته إلى المسؤولين.
الدوافع مختلفة لفعل هذا الأمر، قد تكون بعض الحالات الصحية لا تستدعي هذه المطالبات، ويمكن علاجها في أقرب المستشفيات الصغيرة ومطالبات نقلها إلى المستشفيات المتخصصة والكبرى دافعها عاطفي أكثر من استنادها إلى تقارير صحية تستدعي نقلها.
البعض الآخر تكون مطالباته مستندة إلى تقارير طبية تبين أن هذه الحالة المرضية لا يمكن علاجها في المستشفيات الصغيرة، ويجب نقلها فورا إلى مستشفيات متخصصة، ولكن لغياب القانون الواضح والآلية الواضحة لنقلها من مستشفى عام إلى مستشفى متخصص هو السبب في اللجوء إلى المطالبات عبر وسائل الإعلام، والبحث عن أوامر للعلاج من قبل مسؤولي الدولة.
هذه الظاهرة اليومية بمطالبات العلاج التي أصبحت شبيهة بالتسول للأسف هي نتاج غياب لثلاثة عوامل:
العامل الأول: عدم وجود الآلية الواضحة لطلب العلاج وغياب ثقافة حقوق المريض حتى اختلط على المريض والمسؤول ما الحالات التي تتطلب نقلها إلى المستشفيات المتخصصة وما يجب علاجه في مستشفى عام؟.
غياب هذه الثقافة شوه جهود وزارة الصحة في العناية بالمرضى، شوه أيضا نظرة المواطن إلى الرعاية الطبية التي تقدمها وزارة الصحة وشعوره بانتهاك حقه في الحصول على العلاج المجاني، دون الحاجة إلى الجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام. ولذلك يجب على وزارة الصحة أن تسعى إلى فتح قنوات التواصل مع المريض كما نجحت وزارة التجارة في فتح قنوات التواصل مع المستهلك، وأن تسعى إلى وضع قانون وآلية واضحة لمطالبات العلاج، بحيث إنه يمكن خلال هذا النظام أو الآلية أن يقوم المريض وأهله باتباعها بعيدا عن اللجوء إلى مناشدة العلاج في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
العامل الثاني: هو افتقار المدن الصغيرة إلى المستشفيات المتخصصة، واقتصار المستشفيات المتخصصة على المدن الرئيسة -الرياض وجدة والدمام- ما جعل المرضى يتكدسون على هذه المستشفيات ولا يجدون أَسِرة شاغرة، ومن ثم يضطرون إلى البحث عن أوامر علاج وملاحقة الحصول على علاج في هذه المستشفيات، عبر قنوات مختلفة تشوه جهود وزارة الصحة وتبين الخلل في آلية تقديمها للرعاية الطبية للمواطن، ومن ثم تجعله يضطر إلى اللجوء إلى هذه الطرق مثل استجداء العلاج في الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه الظاهرة التي تسببت فيها وزارة الصحة لا تعكس أبدا مدى اهتمام قيادة الدولة بمنح كل مواطن حقه في العلاج كاملا دون عناء ومشقة ودون ذل الاستجداء، وما قرار إعفاء وزير الصحة أخيرا إلا أكبر دليل على مدى حرص القيادة على الحزم في توفير كل حقوق المواطن.
لذلك يجب على وزارة الصحة توسيع شبكة المستشفيات المتخصصة لتشمل كل المناطق، ولتحد من مشقة سفر المرضى وتكدسهم على أبواب المستشفيات التخصصية في الرياض وجدة والدمام، وهذا الأمر لا يحتاج إلى تبرير صعوبة تشغيل المستشفيات المتخصصة، وعدم وجود الكوادر الطبية الكافية لتشغيلها، فكل هذه العقبات التي دائما ما ترفعها وزارة الصحة كحجة لعدم توسيعها لشبكة المستشفيات المتخصصة يجب تجاوزها، من أجل صحة المواطن الذي يعاني من الحصول على سرير شاغر في المستشفيات التخصصية المحدودة العدد التي لا تكفي الآن لاستيعاب كل المرضى المحتاجين إلى هذه العناية.
العامل الثالث: عدم وجود تأمين طبي للمواطن وتجميد استراتيجية التأمين الطبي على كل المواطنين، والتي بدأها وزير الصحة السابق حمد المانع الزميل الكاتب هنا في "الوطن"، ومن ثم تم تجميدها بعد رحيله عن الوزارة بحجة أن سلبيات التأمين الطبي تطغى على إيجابياته التي لو بحثنا فيها كتجربة حية على فئة موظفي القطاع الخاص المؤمن صحيا عليهم الآن من قبل جهات عملهم لوجدنا العكس تماما، إذ إنهم يحظون برعاية طبية جيدة لا تتوافر لموظفي الحكومة أو المواطن الباحث عن العلاج، والتأمين الطبي الذي نراه الآن وقد رفع مستوى الرعاية الطبية لموظفي القطاع الخاص، يدعونا إلى تطبيقه الآن على كل المواطنين، وأن نستغل القوة التشغيلية لمستشفيات القطاع الخاص المنتشرة في جميع مدن المملكة، ونجعل منهم شركاء لوزارة الصحة في تقديم الرعاية الطبية للمواطن.
غياب هذه العوامل الثلاثة أعتقد أنها الأسباب الرئيسة لما نراه الآن من ظاهرة استجداء الحصول على علاج أو إخلاء طبي أو نقل من المستشفيات العامة إلى المستشفيات المتخصصة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وينبغي على وزارة الصحة أن تعي أن قصورها هو ما جعل البعض يضطر إلى اللجوء إلى هذه الوسائل، ولو كانت الخدمات الصحية متوافرة كما ينبغي لما وجدنا كل يوم حالات استجداء أشبه بالتسول للحصول على أبسط حق من حقوق المواطن وهو طلب العلاج!