خطاب سخيف ومكرور لزعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي، يشبه تماما شخصيته الضعيفة التي لا تملك كاريزما المناضل والقائد الملهم البطل، والواضح أن نموذج حسن نصرالله لم ولن يتكرر في اليمن.
المشكلة أن زعيم المتمردين الحوثيين يتحدث بطريقة تناقض كثيرا من الوقائع على الأرض، مستخدما كالببغاء لغة نصرالله، ومع ذلك يفشل في اجترارها تحت الغطاء الديني الكثيف بامتياز، حتى أن ذلك بدا مدعاة للسخرية.
واللافت جدا للنظر هو صيغة الخطاب الضعيفة، التي عجزت عن تقديم رؤية واضحة لما يجري على الأرض أو استشراف للمستقبل، ولم يتحدث عن خياراته المفتوحة الممكنة، لأنه ببساطة لا يملكها ولا يملك قرارها إن وجدت، وعكس ذلك حجم وحالة التخبط الذي تعيشه القيادة الحوثية، وقلة وتهالك خبراتها وقدراتها القيادية العسكرية، بعد أن عزلت عن العقل العسكري القائد والمدبر، المتمثل في الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح زعيم حزب المؤتمر الشعبي العام، حليف الحوثيين الرئيس الذي لا يخفى على أحد.
لقد كرر زعيم الحوثيين مصطلح الشعب أكثر من 100 مرة، وهو الذي يراهن عليه كما أوحت خطبته الأقرب إلى خطبة جمعة منها إلى خطاب السياسي، وتناسى أنه قاتل هذا الشعب وجيشه عشرات الحروب، وقتل منهم من قتل.
والغريب أن يتزامن توقيت بث الخطاب عقب خطاب زعيم حزب الله اللبناني نصرالله، وإعلان إيران لتحريكها عددا من القطع البحرية إلى بحر العرب ومضيق باب المندب!
وبما أنني أسكن بالقرب من الحدود بين السعودية واليمن، فقد لاحظت شدة القصف المدفعي الذي استمر طوال الليل من الجانب السعودي عقب نهاية خطاب زعيم الحوثيين مباشرة، وهو مؤشر واضح على أن الخطاب كان لحظة الإعلان الرئيسة لبدء التحركات العسكرية الحوثية على الحدود السعودية، والدفع بأتباعه والمسيطر عليهم إلى أتون الحرب، عند الدقيقة 45 من الخطاب، التي قرأ فيها عددا من الآيات بدأها بالآية المكتوبة في الخلفية على يمينه "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير".
ومع انتهاء العشرين دقيقة الأولى التي خصصت لمهاجمة أميركا التي ذكرها 45 مرة، وإسرائيل التي ذكرها 47 مرة، وتوضيح دورهما المحوري في عاصفة الحزم ومسؤوليتهما الكاملة عنها كما يدعي، ليدخل في الـ20 دقيقة التالية إلى الحديث عن الحوار الوطني بسخافة متناهية، محاولا توزيع التهم على أطراف داخلية وخارجية كانت تعرقل إتمام العملية السياسية، والوصول إلى حل، ودفع البلاد إلى نقطة الفراغ الدستوري لشرعنه التدخل العربي، ولم ينس تبرير سيطرة ميليشياته على مؤسسات الدولة ومفاصلها، بأنه إنما كان لحمايتها من القاعدة التي ذكرها 26 مرة!
متجاهلا في الوقت ذاته الدور الذي لعبته ميليشياته – التي أسماها بالثورة الشعبية - في تقويض وخنق وإجهاض الحوار بالكامل، باحتجاز الرئيس الشرعي للبلاد عبدربه منصور هادي، وحل الحكومة واعتقال رئيسها خالد بحاح، وتشكيل مجلس عسكري، وإعلان التعبئة، ومهاجمة مدن ومحافظات اليمن واحدة تلو الأخرى بالنيران، وهدم منازل معارضيهم، وتفجير المساجد ودور تعليم القرآن، ثم خصص الدقائق الـ15 المتبقية لامتداح إيران ومواقفها 11 مرة، وتفنيد المزاعم - كما يراها - التي أدت إلى مهاجمة جماعته عسكريا، والسخرية من مجلس الأمن وموقفه، الذي لم يُشر إلى قراره بشأن الأزمة القائمة، لا رقما ولا تاريخا، فعن أي حوار يتحدث، وما الذي يريد إقناع العالم به بخطاب رديء كهذا؟
والمحير فعلا أنه لم يُشر في خطابه إلى أي من الوقائع المهمة جدا التي حدثت خلال الأسبوع الماضي، كقرار مجلس الأمن والموقف الروسي الممتنع عن التصويت في الرابع عشر من أبريل الحالي 2015، وقرار تجميد أمواله، وحظره من السفر، وإنزال المعدات العسكرية للجان الشعبية في عدن، وإعلان حزب الإصلاح اليمني لموقفهم الداعم لعاصفة الحزم، وقصف صعدة المكثف قبل ظهوره بأيام قليلة جدا، كل هذه مؤشرات قوية على أن هذا الخطاب ربما كان قديما، وتثير الشكوك حول حياة الرجل على نحو ما. إذ ليس من المعقول أن يتجاهل كل تلك الأحداث دفعة واحدة، ولا يوجد ما يبرر صمته تجاهها!
يقول الدكتور عبدالحميد الحسامي أستاذ مشارك في الأدب والنقد بجامعة الملك خالد في أبها عن هذا الخطاب: "حينما تكون طرفا في مشكلة أو ركيزة فيها فيقتضي منطق المسؤولية أن تقدم رؤى لحلها، أما أن تتوارى وراء خطاب انفعالي فهذا نوع من الاستخفاف والهروب"
هكذا يقذف القادة الحوثيون بأنصارهم وأبناء اليمن إلى الانتحار في محرقة الحرب التي لا هم لها إلا تحقيق أهداف الأجندة الإيرانية المفضوحة، على لسانه وبين طيات خطابه الركيك والمتهالك.