نقول عن كل من مات "رحل" والحقيقة أنه لم يرحل من ترك أثراً عليه.. لم يرحل من بقي منه شيء بيننا.. لم يرحل من ترك أشياءه عندنا.. فقط رحل "جسده" كفطرة نسير عليها جميعا.

غادرنا "جسد" المصري البسيط عبدالرحمن الأبنودي وترك بيننا "الأبنودي" شعرا عظيما وكلمات كبيرة لا تزال تتردد في آذاننا بصوته الصعيدي الجميل، رحمة الله عليه.

في شعر "الأبنودي" الكثير من الجمال العامي والقروي وحياة البسطاء والكثير من الإنسانية.. وفي سيرة "الأبنودي" الكثير والكثير من الحكايات الممتعة والقصص المثيرة من شقاوة الطفل القروي راعي الأغنام إلى الشاعر الكبير الذي غنى له كبار الفنانين مثل "عبدالحليم وشادية وصباح ووردة وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة إلى ماجدة الرومي ومحمد منير".

في سيرة الأبنودي التي رواها في حوار صحفي قبل عامين تجد الصراحة والافتخار بالماضي بكل ما فيه من شقاوة الصبا ورعاية الأغنام حافيا إلى أول سرقة التي يرويها بطرافة حين حاول سرقة رمان من "جنينة علي الغزالي" يقول: "حين استقر الأمر، وعقدتُ النية على السرقة، انزلقت من على الجدار العالي إلى أرض جنينة علي الغزالي، وحين لامست القدمان الأرض، كانت الركبة قد تسلخت، وأَدْمَت نفسها، لكني لم أكن أحس شيئًا... ووجدت نفسي في الجنينة بين الأشجار وحيدًا... فأخذت أجمع الرمان.. وفجأة وجدت على رأسه ابن صاحب المزرعة وهو أكثر البشر بدانة، كما يصفه. فيقول: جريت لأهرب فلم أستطع لدرجة أن البدين الثقيل الذي لا يتحرك أمسك بي بسهولة وأنا العفريت الخفيف الذي يقفز كالغزال، كان الرمان في عبّي أثقل من وزني، فلم أكن قد اكتشفت أنه ثبّتني في الأرض كالجدار القديم، فَصِحت: "يا امّه".. فهبت لمساعدته واكتشفت جريمته.. يقول: وقبل أن ينصرف الرجل سأل جدتي عن اسم ابنهم الذي قفز الجدار، فأجابت أمي من الداخل: "رمان" ومن يومها صار اسم تدليلي "رمان" في بلدة لا تدلل أبناءها.

ويقول معلقا بطرافة: لو لم يقتحمني الشعر ويتلبسني ويأخذني من كل هواية أو متعة أخرى لصرتُ لصًّا حاذقا خفيف اليد، هكذا يمكن أن نقول إن الشعر أنقذني من السجن المدني لكنه قبض الثمن حين زجَّ بي إلى زنازين السجن السياسي".

(بين قوسين)

يقول على لسان العمة يامنة:

"إوعى تبص وراك..

الورث تراب..

وحيطان الأيام طين..

وعيالك بيك مش بيك عايشين..!!

يو...ه يا رمان".