يبدو المجتمع في مسيرة تطوره ومراحل تقدمه كسير الإنسان الفرد على طريق الحياة. فالفرد الذي متعه الخالق بسلامة الحواس ومنحه عقلاً يرشده إلى الأصلح والأصوب والأسهل من الدروب ويلهمه تجنب مواطن الخطر، يستطيع أن يسلك الطرق الأسلم لرحلته ويجتاز الصعاب، حين يوظف مهاراته ويستفيد من تجاربه لتحقيق المزيد من المنافع واستثمار مقدراته وطاقاته لتوفير ما يعينه على مراحل الضعف ولحظات قلة ما في اليد.. وكذلك تبدو المجتمعات الواعية فهي تتفاعل مع علوم عصرها وتسهم في ثقافاته وتستثمر ثرواتها وتحسن مراكز إنتاجها وتخطط لمستقبلها وتدخر وفرة الحاضر لمواجهة ندرة المستقبل.. والإنسان المحروم من سلامة الحواس ونباهة العقل يقع في مخاطر الطريق فلا يدري أي الطرق تقوده إلى مبتغاه.. فهو لا يحسن استغلال حاضره ولا يفكر في مفاجآت غده لهذا يعيش عالة على غيره فلا يقف إلا متكأ على أحد ولا يسير إلا مستنداً على قيادة الآخرين.. والمجتمعات مثل الأفراد إذا فقدت "الحواس" السليمة والأذهان المرشدة ولم تنجح في بلورة مستقبلها ولم تضع خطة لغدها تصبح أسيرة لما يريده الآخرون تابعة لخطواتهم، فتفقد حرية الاختيار وتقع في رهاب وخشية السير وحدها لأنها لم ترب في وعي أفرادها متعة الاعتماد على الذات ولم تؤسس في نظام مجموعها بصيرة التخطيط.. ومجتمعنا – في مسار تطوره وحراك حاضره – لا يختلف عن المجتمعات الإنسانية في عمومها، حتى وإن تمايز ببعض الفروق الخاصة لكن تبقى للتطور قوانينه المضطردة وسننه المتكررة التي باتت أشبه بقوانين العلوم التجريبية.
هذه المقدمة الطويلة (البديهية) دعوة إلى تأمل حركة مجتمعنا وتفاعل مؤسساته مع العصر، وإلى أي مدى يمكن الاطمئنان إلى أننا نسهم في ثقافة العالم.. وإذا كنا حقاً نعيش العصر بكل تعقيداته هل نفعل ذلك عن رؤية محددة الملامح أم إن مشاركتنا تدفعها عوامل ليست من صنع أيدينا ولا نستطيع أن نتحكم فيها؟.. وهل نستطيع الاطمئنان إلى أن لدينا رؤية وطنية جامعة لما نريد أن نكون عليه في الأجيال القادمة؟ الذي يتابع ما تنشره صحافتنا وما تبثه وسائل إعلامنا وما يدور في مجالسنا، وما يتداول في "غابة" الإنترنت التي تستغل عملها "تحت الأرض" لتعبر عن خبايا النفوس واضطراب العقول.. الذي يتابع كل ذلك ويتأمل موقفه من قضايا التنمية في حقول التعليم والصحة والعمل، ويرصد كفاءة أجهزتنا الخدمية سيدرك – بلا كبير جهد – أن هناك مشكلة حقيقية تدفع الكثيرين إلى القلق وتدفعهم إلى الاعتقاد بأنه لا توجد خارطة لتطور المجتمع. وهذا الاعتقاد أو الانطباع – بعدم وجود رؤية واضحة – تؤيده غلبة الكلام العام غير المحدد في معالجات قضايا التعليم والاقتصاد ومراكز الإنتاج وتطوير قدرات الإنسان. وهذا "التعميم" الناشئ عن انعدام الرؤية المحددة ربما يكون أحد أسباب "العراك" المحتدم حول التفاصيل الصغيرة التي تهدر الطاقات وتبدد الجهود، وتستغرق الوقت في الجدل العقيم وتضخيم الصغائر وتصغير الكبائر.. فالمساحة التي يستغرقها الجدل حول اسم مؤلف في كتاب مدرسي والانشغال بالاسم دون المحتوى والعراك حوله وتهويل مخاطره أو التقليل منها والتصدي للدفاع عنه واستغلال الظرف مركباً أو وعاءً لسكب عيوب الخصوم الفرقاء على قارعة الطريق، كلها دلالات تستدعي التساؤل عن مدى جدية المتحاورين ومدى قربهم من القضايا المحورية التي تمس حياة الناس ومستقبلهم.. هذه المسألة الجزئية أخذت من بعض المهتمين بالشأن العام والمعنيين بمراقبة مسار التطور أكثر مما أخذت قضايا الحرية وحقوق الإنسان وحماية المال العام من الهدر وفحص كفاءة الأجهزة المسؤولة عن تنفيذ مشاريع التنمية.. والانشغال بالتفاصيل الصغيرة وغض الطرف عن المسائل الكبيرة هي عرض لمرض. وقد يكون هذا المرض هو إحساس الغالبية بعدم وجود رؤية متفق عليها، وحتى إن بدت بعض ملامحها فإنها محتاجة إلى "إرادة" تخرج مسار التنمية من الارتباك وتضبط خطواته على ما يوفر احتياجات الناس بصورة متوازنة متساوية. ولو كانت غالبية المجتمع لديها قناعة بوجود رؤية واضحة المعالم محددة الأهداف مقننة الوسائل لما نريد أن نكون عليه بعد عشر سنوات أو عشرين أو خمسين سنة لما ضاعت الطاقات في "الحوار اللولبي" حول مسائل صغيرة لا ننفك من واحدة حتى ندخل في أخرى أصغر وأتفه.. لو شعر المجتمع بموجود رؤية تتمتع بوفاق وطني ويتوفر لها ما يمكن من تحقيقها ما كانت مخرجات تعليمنا وحصيلة إنتاجها بهذا المستوى الذي تشكو منه الغالبية. فالرؤية الواضحة والأهداف المحددة يفقد معها "العراك" حول التفاصيل الصغيرة معناه ويتراجع لصالح الحوار والنقاش الموضوعي لإبقاء الرؤية واضحة على الطريق ويتكاتف أهل الرأي على إبقائها على مسيرتها غير متعثرة ولا مترددة.
عندما انطلق مشروع الحوار الوطني تفاءل الكثيرون ورأوا فيه "مختبراً" يفحص علل سوء الفهم ويحدد لها العلاج وتعرض فيه الآراء للوصول على القواسم المشتركة لتقديمها على هوامش الاختلاف.. وقدر الكثيرون أن الحوار الوطني – إذا أحسن توظيفه – يشكل "آلة" قادرة على بلورة رؤية جامعة تحدد الأهداف وترسم المسار وتضع الإشارات على طريق التقدم فلا تسمح لأحد أن ينحرف بمسار تنمية الوطن إلى بنيات الطريق. ولا يزال البعض يرى أن "المشروع" – إذا صحح مساره – قادر على الإسهام في بلورة الرؤية الوطنية القادرة على الإقلاع به من محطة "التردد" إلى سماوات الإنجاز والمساهمة في تقدم الإنسانية، فهذا المشروع يمكنه أن يوفر "الإجماع العاطفي" الذي يسهل على المؤسسات والخبراء الفنيين والمستشارين العمل ويمنحهم قوة الدفع تحت مظلة الإجماع الوطني للوصول إلى رؤية يستلهمها المخطط وسيترشد بها واضع النظام وتتبناها الأجهزة التنفيذية للنهوض بواجباتها.
إن تحديد رؤية وطنية تستند إلى دقة العلم وتستحضر فاعلية الرصيد الروحي وتعتمد إمكانيات الوطن وتحدد مساره التنموي ستوفر الكثير وستدفع المجتمع إلى الحوار حول تنفيذ الرؤية بدلاً من الاستمرار في دائرة الحديث حول أين نتجه؟ التجارب الإنسانية أمامنا، وسنن التطور تضع العلامات على الطريق فلا يجدر بنا أن نضيع الوقت في اختراع "العجلة" من جديد.. القضية – ببساطة – إيمان بالعلم و استرشاد بتراكم المعرفة الإنسانية لعبور قنطرة التردد.. ثم إن العلم والتطور لا يهددان معتقداً أصيلاً وإيماناً راسخاً.