خلق الإنسان بقدرات محدودة ومهما كان عبقريا، ومع الصقل والخبرات في الحياة سيصل في النهاية إلى حد قدرته. ومع اختلاف قدرات البشر فإن واجبات ومسؤوليات الأعمال مختلفة كذلك. وإذا شغل الإنسان ذو القدرات المحدودة عملا يحتاج لقدرات أكثر سيفشل، وإن كان سياسيا فسيصبح أضحوكة، وإن كان زعيما لدولة عظمى فخيبته يتعدى ضررها وطنه ويعم العالم كله. وهذا ما حدى بالعبقري (هلموت شميت) -السياسي الألماني والمستشار السابق لألمانيا الغربية من 1974 وحتى 1982- حين اشتد الخلاف بين أوروبا الغربية عامة وألمانيا الغربية خاصة مع الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس كارتر إذ قال: "إن قدرات كارتر كانت تؤهله (كأقصى حد) إلى أن يكون حاكما لولاية جورجيا فقط. ومن سوء حظ كارتر والعالم أجمع أن أصبح رئيسا للولايات المتحدة".

وحقا إن هذا القول ينطبق على الرئيس الحالي أوباما رغم علو السجل الأكاديمي الذي يملكه. وللمعلومية فقد كان كارتر، حسب امتحان الذكاء الـ(آي كيو IQ) من بين أذكى من شغل منصب الرئيس. إذن الذكاء والسجل الأكاديمي العالي ليسا ضمانا لنجاح الرئيس الأميركي. لقد برهن الرئيس أوباما ورغم خطبه الرنانة أنه تابع وليس قائدا في كل أفعاله تقريبا الداخلية والخارجية. كل همه أن يقلد ويدخل التاريخ دون كلفة. ناسيا أو متناسيا أن دخول التاريخ ليس دائما خيرا ويتوقف على نوعية الإنجاز.

لقد دخل التاريخ الرئيس نيكسون حين زار بكين ووطد العلاقات بين بلاده والصين رغم كل المساوئ التي يتصف بها كشخص. وبالمقابل دخل التاريخ رئيس وزراء بريطانيا العظمى، في أواخر الثلاثينات الميلادية من القرن الماضي، السيد شامبرلان، الذي ضحك عليه هتلر ووافق على كل ما طلبه وصدق وعوده، حتى أصبح أضحوكة العالم ويذكره التاريخ بكل استهزاء. وها هو الرئيس أوباما وضع كل جهده بالسياسة الخارجية تقريبا على إعادة علاقات بلاده مع إيران، والمسألة لا تحتاج كل هذا الجهد، لكنه لمحدوديته ضخمها وكأنها أصبحت مسألة حياة أو موت للسياسة الخارجية لدولة عظمى، إن لم تكن الأعظم، مثل الولايات المتحدة الأميركية، مع أن الأمر لا يحتاج لكل هذا العناء. فالجانب الآخر، أي إيران، كان مستعدا للرقص واللعب مع الشيطان الأكبر بأقل التكاليف. ولسوء إدارته للأمر وكشف أوراقه من خلال رغبته الملحة للفتح المبين انقلبت الآية فبدا للعالم أن الرئيس أوباما وبلاده هما المحتاجان لإيران مع أن العكس هو الصحيح. وبدأت إيران واستمرت بالابتزاز، وكلما أظهرت طهران بعض التصعب (تمثيلا في أكثر الأحيان) حتى تبرع الرئيس أوباما وكال لقيادتها المديح وكيف أنها تنفذ رغبات شعبها. ووقف على الحياد، وهو المدعي قيادة العالم في الديموقراطية والحرية حين ثار الشعب الإيراني عندما زورت الانتخابات لتجديد ولاية أحمدي نجادي. حقا إنه تناقض وازدواج لا يصدران إلا من إنسان محدود القدرات مقارنة بمنصبه.

لم يكن الرئيس أوباما قائدا بأفعاله أبدا بل كان تابعا، وهذا لا يليق بدولة عظيمة مثل أميركا، يصدر وعوده ثم يتراجع عن تنفيذها، ويهدد ولا يفعل، وكلنا يتذكر مصيبة سورية. حتى في الأعمال الإنسانية لم يكن قائدا كعادته مع أن الشعب الأميركي عادة من أكرم شعوب الأرض في المساعدات الإنسانية.

أتذكرون تأخره نسبيا حين انتشر وباء "إيبولا" في أفريقيا؟! حتى الدولة الفقيرة كوبا سبقته وجهزت الحملات لمكافحة ذلك الوباء بإرسال العدد الكبير من أجهزتها الطبية وأوباما قابع يلعب "القولف" ويفكر ماذا يفعل؟

والمضحك المبكي حقا حين يحاول أن يبين أنه المفكر القدير والملم بأمور العالم وكلما تكلم أظهر جهله المبين للعالم أجمع وخاصة من ناحية منطقتنا. خذ مثلا وصفه لإيران أنها لا تغامر بمصيرها (أي أنها متعقلة) رغم كل أعمال الإرهاب التي انتشرت في العالم وكانت سببا فيها، وكأنه أوحى أن ذلك التعقل يعود لكونها دولة شيعية بخلاف السنة في الإسلام الذين يعتقد أنهم ينتحرون ويضحون بكل شيء؟!     

ولعمري إن هذا القول أكبر علامة جهل يتمتع بها هذا الرجل ويفتقر إلى الشجاعة الأدبية والنزاهة الفكرية، كل ذلك من أجل توقيع الاتفاق النووي مع طهران وإعادة علاقات الولايات المتحدة معها ليدخل التاريخ من أبوابه الواسعة.

حقا إن انتخابه رئيسا من ذلك الشعب العظيم كان غلطة تاريخية، لكنه برهان واضح على مرونة ذلك النظام الذي أزاح الرئيس نيكسون دون طلقة نار واحدة. وها هو ذلك الشعب الأميركي يبرهن على نبله بانتخابه رئيسا للولايات المتحدة وهو من أقلية عانت الكثير في تلك البلاد.

فخامة الرئيس: لقد ظنناك قائدا حكيما، لكنك خيبت ظننا، وخاصة بعد خطبة جامعة القاهرة. وعزاؤنا أن أيامك رئيسا أصبحت معدودة، فتمتع بصرف أيامك للعب "القولف" وزيارة المتاحف الموسيقية، ونتمنى ألا تصرح بشيء إن أمكن وخاصة حول الشرق الأوسط، أو حول الفروق بين المذاهب في الدين الإسلامي، خاصة بين السنة والشيعة.

وصدق المستشار (هلموت شميت) فقدراتك لا تؤهلك أن تكون رأس هرم السلطة التنفيذية في بلد مثل الولايات المتحدة بل، كحد أقصى، عضوا في مجلس شيوخ ولاية إلينوى فقط.