في عام 1394 من الهجرة ألقيتُ قصيدة بعنوان "جداول النور"، بحضور خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، عندما كان وزيرا للداخلية، وكانت المناسبة افتتاح سد "أبها" وجاء فيها: جداول النور في أحضان واديها - ومنبع السحر يجري في روابيها، وطائر الأيك غني في خمائلها - وراقص الشيح والريحان كاديها، عرائس الفجر تزهو في مآثرها - فهلل "السد" للتاريخ يرويها، شارك في الحفل الشاعران: زاهر بن عواض الألمعي، وسعيد فياض صاحب نشيد "بلادي بلادي منار الهدي.. ومهد البطولة عبر المدي"، بعد ختام مراسيم الحفل، فوجئت بشخصية مصرية من كبار المدعوين تدعوني للسلام عليها، وتسمعني شيئا من الثناء، تأملت وجه الرجل الوسيم وأثار حضوره استغرابي، إنه الشاعر الكبير "صالح جودت" صاحب "الثلاثية المقدسة" التي غنتها (أم كلثوم): "يا عطاء الروح من عند النبي - وعبيرا من ثنايا يثرب، يا حديث الحرم الطهر الذي - يطلع النور به في الغيهب، قم وبشر بالمساواة التي - ألفت بين قلوب العرب"، أهداني دراسته عن الشاعر "أحمد فتحي" المتوفي عام 1960، صاحب قصيدة (قصة الأمس) و(الكرنك): "حين ألقي الليل للنور وشاحه - وشكا الطل إلي الرمل جراحه، يا تري هل سمع الفجر نواحه؟"، طلبت من صالح جودت أن يسمعني قصيدة "التاجين" والتي قالها بمناسبة زيارة الملك (عبدالعزيز) طيب الله ثراه لمصر، واجتماعه بالملك (فاروق): "يا رفيع التاج من آل سعود - يومنا أجمل أيام الوجود"، لقد كان جودت ماهرا في اكتساب الأعداء، والاشتباك في معارك وخصومات حادة، كان أشهرها معركته ضد الشاعر نزار قباني، بعد نشر نزار قصيدته الشهيرة "هوامش علي دفتر النكسة" ومعركته ضد دعاة الشعر الحر، حين أسماهم (القرامزة): "يقولون جاءوا بشعر جديد - يجب القديم الذي نكبر، تفاعيله يزدريها الإطار - ومبناه تنكره الأبحر، وأبياته كضمير اليهود - تطول مع الزيف أو تقصر، قال عنه مجايلوه "جودت لم ينصف لا حيا ولا ميتا لأنه دفع ثمن مواقفه"، من أعذب ما قاله في الغزل: "يا حلوة العينين لا تفزعي من همسة الخمسين في مسمعي - أنا شباب سرمدي المدي أنا ربيع دائم المطلع - لا يكبر الشاعر يا طفلتي فعمره في حسه الطيع - قلبي علي العشرين قيدته فعمر قلبي ليس يجري معي"، مات صالح جودت وترك عددا كبيرا من الدراسات والبحوث والروايات والدواوين منها: (ليالي الهرم، أغنية علي النيل، حكاية قلب، ألحان مصرية)، لم يكن صالح جودت الوحيد من مشاهير الأدب والفكر والسياسة والإعلام الذين يزورون منطقة عسير في حينه فقد رأيت العشرات منهم، كمصطفي محمود وأنيس منصور وعمر أبو ريشة ومحمد إبراهيم أبو سنة وعمر بهاء الدين الأميري وغيرهم.