(شكسبير، عندما سأله صديقه هوراشيو كيف يصدق وهو المثقف الواعي ظهور شبح والده، فقال له هناك أشياء كثيرة بين السماء والأرض أبعد من كل ما تتخيله في أحلامك).

سمير فريد

قد تفتقد حسابا من الحسابات التي اعتدت على تفاعلها معك، فتجد أنها لم تعد تتابعك أو ألغت حسابها أو توقفت ببساطة عن استعمال هذا الموقع؛ يبقى الأمر عاديا جدا في أي حالة من الحالات السابقة؛ إلا أننا لا نتوقع أن يكون هذا الشخص الذي افتقدناه قد غادر الدنيا بأسرها!

أحد المتابعين كان يطرح قضيته بحدة؛ يحلم بوطن لا تطغى عليه رطانة العجم؛ درس وتعلم وأصبح مهندسا وبين يوم وليلة وجد نفسه مضطرا لحمل السلاح، وبقي يقاوم لسنوات حتى لقي حتفه في إحدى المعارك على أيدٍ غريبة عن وطنه رحمه الله. تألم أحد متابعيه من فقده ومن أن يتابعه شهيد!

لا يزال حسابه يستقبل تنبيهات المتابعة وهي التغريدات اليومية فقط! لا يزال أبسط أحلامه بوطن آمن لولده الذي لم ولن يعرف أباه حيا يرزق! وترك أمًّا تبكيه بحرقة.

الراحل كان نموذجا لعشرات وربما مئات يسقطون على ساحات الحروب في (عربستان)، وهو اسم يعبر عن صراع عربي بمذاق فارسي! ومن يسقطون في الحروب لا يشكلون العدد الأكبر، بل ربما الأقل، لكن وفاتهم تكون صادمة لأننا حين نقاتل يغلب على الظن أن الحياة هي الخيار الوحيد الممكن رغم أننا نتعامل مع الموت!

قبل أيام شاعر فقدناه وهو عبدالرحمن الأبنودي، رحمه الله، قدم رسالة يحذر من يقرأها من تأثير دخان السجائر القاتل عليه. التدخين قاتل غير رحيم ونيرانه ليست نيرانا صديقة. التدخين قاتل يخالف نظرية مثلث الفقر والجهل والمرض، فالغني يدخن كما يدخن الفقير والشاعر والمفكر والعاقل يدخنون ربما بشراهة أكثر من المجنون؛ والأكثر مرارة أن يدخن طبيب القلب ويموت بسبب التدخين، ولا أفترض هنا بل سبق وحدث هذا! في تقرير لمنظمة الصحة العالمية: (إنّ تعاطي التبغ هو العامل المسؤول عن وفاة عُشر البالغين في جميع أرجاء العالم، وذلك نظرا لكونه السبب الرئيسي لكثير من أشد الأمراض فتكا بالناس في العالم - بما في ذلك الأمراض القلبية الوعائية ومرض الرئة الانسدادي المزمن وسرطان الرئة. وغالبا ما يُعد التدخين السبب الخفي المؤدي إلى الإصابة بالمرض الذي يدرج في التقارير بوصفه العامل المسؤول عن الوفاة). ويضاف للتدخين ويترافد معه موضوع البدانة، (فالبدانة تقتل أكثر من 30 ألف شخص سنويا).

هل الحياة رخيصة بعيون من يعرضون أنفسهم للموت دون طائل؟! ما الذي يجدونه من لذة في حرق لحظات الحياة تساوي معاناة ما قبل الموت أو خسارة الحياة بكاملها؟!

وبالنسبة للأسباب الأخرى للموت نجدها تزداد بازدياد الدخل، فتقل في البلدان الغنية وفيات الأطفال مقارنة بالمسنين، وتقل في البلدان الفقيرة وفيات المسنين وتزداد وفيات الأطفال.

ومن الطريف المحزن (أكدت دراسة أميركية حديثة أن الزواج غير السعيد يؤثر في صحة القلب ويرفع الضغط وقد يؤدي إلى الموت المبكر. وأكد الباحثون القائمون على الدراسة أن الأشخاص الذين يعيشون حياة زوجية غير سعيدة أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والإحباط، وبعض الحالات قد يؤدي بهم الأمر إلى الموت المبكر)، ولكن الدراسة لم تبين تأثير الطلاق أو العنوسة، فلا ندري أي الأمرين يؤدي للموت بشكل أسرع!

من أسباب الموت التي نعاني منها ولا يكاد يخلو بيت من بيوتنا من وجعها وفيات حوادث السيارات؛ فحادث سيارة واحد قد يحصد قتلى يعادل أو يفوق ما قتل على الحدود في عاصفة الحزم!

حوادث المعلمات على الطرق أيضا علامة وجع اجتمع فيها أكثر من عامل أدى إليها من وعورة الطريق وجلوس المعلمات أحيانا بدون تقيد بالسلامة، يضاف إلى ذلك تهور السائقين أو عدم الكفاءة، والمرأة فيها غالبا لا تستطيع التحكم بتلك العوامل وحتى حين يتم نقل معلمات القرى النائية ستحل محلهن معلمات أخر. وربما كان الحل الأكثر منطقية توطين معلمي ومعلمات القرى النائية بتوفير سكن مناسب لهم تحت إشراف الوزارة بالقرب من المدارس أو سرعة توفير معلمين ومعلمات من أهل القرية النائية بحيث يكون هذا أولوية في الوزارة.

الواقع يخبرنا أننا لم نأخذ بعد أسباب الموت التي تحصد شبابنا بالدرجة الأولى بشكل جاد، والثقافة الدينية التي تهتم بما بعد الموت لا تحذر من أخطار الإسراع إليه أو التورط في إنهاء الحياة بسبب أو بآخر! التوعية والتحذير يأتيان ويركزان على سوء الخاتمة وكأن الحياة لحظة ترقب للموت فقط!

ساهر تضاربت الآراء حوله هل خفف من حدة الحوادث أم لا؟ لكن الملاحظ أنه ساعد على الانضباط أمام إشارات المرور وخفف من بعض سلوكيات القيادة العشوائية عندها.

العجيب أن الإنسان طالما بحث عن الخلود وطول العمر والصحة التي تعينه على الاستمرار في التمتع بملذات الحياة فحلم بالخلود وضمنه في ملاحمه، ولكنه رغم ذلك لا يزال يحارب ويعتدي على غيره وبالتالي على نفسه، وهو بهذا يناقض رغبته في الحياة، فرب عجلة تهب موتا!