القصائد فارغة الروح منزوعة المعنى خافتة التوهج، موضوعاتها واحدة بلا إبداع، مفتعلة، مصطنعة، حجرية، قلبها قالبها أولها كآخرها، ذات صبغة واحدة باهتة، في أدنى السلم الإبداعي، شعراؤها على مدى الشعر في آخر الترتيب وذيل القائمة يترنمون بصورة واحدة، يستنهضون قريحتهم في موضوع ميت بصريا، جاف خياليا، هزيل اللحظة، فاتر الحماس، شعراء في اللاشعر، موهومون باللاوهم يكتبون اللاكتابة، ويحجزون أماكن في حيز الفراغ الهائل، لا تغنيهم التجارب ولا ترفدهم القراءات، ولا تدفعهم غيرة الإبداع ومنافسة النجومية إلا لمزيد من التبرم والقنوط، لا يقولون رأيا ولا يكتبون سطرا، مشغولون بمكتسبات اللحظة وغنائم الفتات، يذهبون إلى النسيان بكل أريحية دون أثر ودون تأثير، عابرون في كلام عابر، راحلون في قصيدة رحلت، مسافرون في قافلة اتجهت عامدة إلى المجهول الشعري ورغم ذلك يصرون على ضرب فجوجها المهلكة وصحاريها المليئة باليباس واليأس، رغم أن كلفة المغامرة أقل ونتائجها أعمق أثرا وخلودا، لكن الدعة والطيعية والانقياد تلقي بظلالها فتنتصر الاستكانة وهذا ما لا يليق بالشعر ولا الشاعر ولا القصيدة. الشعر مشروع المغامرة الكبير ورحلة التجربة التي لا تنقطع، سفينة الخيالات وبساط ريح الأحلام السحري، لا يفنيه الوقت ولا يذبله الزمن، ولا تستبدله الفنون، وكلما امتحنته الظروف وتحدته التجديدات بقي شامخا أثيرا أقرب إلى الروح وأعمق تعبيرا وأخلد لصاحبه. الشعر الذي نحاول التخلي عنه فلا يتخلى عنا لكننا نحتاج فقط إن نكون أوفياء ونكتبه بشكل جيد ونقرأه بما هو جميل ولائق.