الحديث عن التعليم والأخلاق يحتاج إلى توضيح من البداية، فالأخلاق هنا قد تفهم على الأقل على معنيين: الأول أن تعني الأخلاق مجموعة من الأوامر والنواهي والمقاييس التي تحدد أسلوب حياة الناس. المعنى الثاني أن تعني الأخلاق العناية بالآخر والتعاون معه. المعنى الثاني هو المقصود بالأخلاق في مقالتي هذه والمقالات التي تليها. وبالتالي فإن موضوع المقالة هو عن علاقة التعليم بنمو الطالبات والطلاب أخلاقيا كأفراد يعيشون مع الآخرين. نفكر في التعليم هنا كنشاط يمكن أن يساعد في إخراج المجتمع من هذه الأزمة: حين تضعف أخلاق التعاون في المجتمع وتنتشر سلوكيات الأنانية والعزلة فإن مؤسسات المجتمع تعمل من خلال فرض الشروط الضرورية لاستمرار الحياة الاجتماعية. بمعنى أن كل ما هو ضروري للحياة الاجتماعية من أمن وأمانة وثقة وحفظ للحقوق المتبادلة يتم فرضه بالقوة بدلا من أن يكون جزءا مقبولا ومتعارفا عليه داخل الجماعة البشرية. فرض هذه القوانين بالقوة يزيد من ضعف أخلاق التعاون لأن أخلاق التعاون تقوم على الاختيار بحرية وقناعة. الفرض هنا يعزز أنانية الأناني ويعيده إلى ذاته بدلا من أن يجمعه بالآخر. التعليم هنا يأتي كتجربة يمكن أن تعمل على فك هذه الأزمة. طبعا هذا أحد الاحتمالات، الاحتمال الأكبر أن يعمل التعليم على إعادة الأزمة الاجتماعية ذاتها.
التعليم، وأقصد به التعليم المدرسي هنا، بيئة مصممة لكي يمكن التحكم فيها. بمعنى أنها وإن كانت بيئة طبيعية ضمن النسيج الاجتماعي إلا أنها وإلى درجة كبيرة بيئة اصطناعية تخضع لشروط وإدارة تختلف عن غيرها من المؤسسات الاجتماعية. أغلب أطفال الحي يجتمعون يوميا في مكان واحد، وهذا المكان تتم إدارته بطريقة مقصودة ومحددة. بمعنى آخر فإن أطفال الحي يتوجهون يوميا إلى مكان استثنائي يمكن أن يوفر لهم بيئة مختلفة ويمكن أن يكون مجرد امتداد للبيت والحارة. المدرسة هنا بالنسبة للطفل عالم آخر، عالم مفتوح خارج حدود الأسرة. المدرسة فرصة للخروج من إدارة الأسرة في البيت إلى تجربة أخرى تدار من قبل آخرين.
دعونا نفكر في هاتين الحالتين: الحالة الأولى لدينا طفل يعيش في أسرة يديرها والده العنصري. والده يكره السود ويسميهم بالعبيد ويلصق بهم كل الصفات البشعة التي يمكن أن نتخيلها في البشر. وكنتيجة لذلك فهو يمنعه من اللعب معهم والاختلاط بهم وتكوين صداقات معهم. إلى عمر السابعة وهذا الطفل تحت السيطرة الكاملة لإرادة والده وتجربته في الحياة فعلا خالية من اللقاء المباشر والطبيعي مع أي طفل أسود. حين يبلغ هذا الطفل السابعة من العمر ويذهب لمدرسة الحي فإنه هنا يخرج من إدارة والده الكاملة لحياته إلى إدارة مختلفة. هنا نحن أمام فرصة وأمل لا نعلم كيف ستكون. الاحتمال الأول أن تكون المدرسة تدار بعقلية تشبه عقلية الأب، وبالتالي فإن الطفل لن يجد فرصة مختلفة للتعرف على الأطفال السود في مدرسته. المدرسة هنا لا تحتاج بالضرورة أن تعزل الأطفال عن بعضهم، ولكنها يمكن أن تساعد في استمرار العنصرية من خلال إهمالها وعدم مواجهتها. أي أن لا تتبنى المدرسة مفاهيم المساواة بين البشر وتترك الانحيازات الثقافية خارج المدرسة تستمر داخلها. الاحتمال الثاني أن تقدم المدرسة بيئة مختلفة وأنموذجا مغايرا من خلال توفيرها بيئة سليمة ومشجعة لهذا الطفل أن يختلط بالأطفال الآخرين رغم كل الاختلافات بينهم.
الحالة الثانية لطفلة تعيش في بيت يؤمن بالمساواة بين الجنسين وبحقوق موازية للفتاة في مجتمعها. هذه الطفلة في عمر السابعة تتوجه إلى مدرسة الحي لتواجه احتمالات شبيهة بالاحتمالات التي واجهناها في المثال السابق. أولا: احتمال أن تتوجه الطفلة إلى مدرسة تقوم على فكرة التمييز ضد المرأة وترسم لها خط حياة يختلف تماما في الحقوق والمسؤوليات عن الذكور. الاحتمال الثاني أن تدعم المدرسة ثقافة المنزل وتعزز في هذه الطفلة شعورها بالمساواة واستحقاقها للمشاركة الاجتماعية الكاملة. هذه الأمثلة يمكن أن توضح لنا الاحتمالات التي يمكن أن يلعبها التعليم في التغييرات الاجتماعية. السؤال هنا: كيف يتبنى التعليم ثقافة تغيير في المجتمع ومن أين تأتي هذه الفئة التي تدير التعليم وتسعى إلى التغيير؟ هذا سؤال جوهري ويفتح الاحتمال على علاقة التعليم بالمجتمع. من جهة التعليم المعزول عن المجتمع يفصل التعليم عن الواقع ويخل حالة وهمية وحالة انفصام تضر أكثر مما تنفع. من جهة أخرى التعليم الذي لا يحمل روح التغيير والتطوير يفشل في مهمته الأساسية وهي الاستجابة لطبيعة الحياة البشرية القائمة على التعلّم من التجارب والدفع باتجاه مستقبل أفضل. إذن هنا الموازنة الضرورية تتحقق حين ينبع التعليم من التجربة الاجتماعية المباشرة، ولكنه يستجيب مباشرة إلى طبيعة التعليم وهي الاستفادة من الخبرات والتجارب والعمل على مستقبل أفضل للجميع.
في المقالات القادمة سأقدم أطروحات في ملامح التعليم الذي يمكن أن يساعد في مساعدة وتعزيز النمو الأخلاقي عن الطالبات والطلاب. أي التعليم الذي يمكن أن يساعد الطفل على أن يرى الطفل المجاور له ويرتبط به ويعلم أن وجودهما المشترك أساسي في حياة كل منهما. التعليم الذي يساعد كل طفل على ألا يتصرف وكأنه وحده الموجود في العالم. أن يساعده على إدراك شراكته للآخرين هذا الكون وهذا العالم.