منذ كتابه الأول (سادة الحقيقة) (1967) الذي ربما يذكرك عنوانه بـ (سادة الندى)، اكتسب شعبية واسعة لدى الطلاب والباحثين – لاحظ ليست شعبية بين الجمهور وهذه ميزة المثقفين والكتاب الحقيقيين ممن ينتجون المعرفة – بسبب إطلاق رؤية جديدة على الملحمة الإغريقية أصلت البعد الفلسفي لصالح البعدين الاجتماعي والثقافي.

في عام 1972 أصدر كتابيه في الأنثروبولوجيا الثقافية والدينية (حدائق أدونيس) و( مكائد الذكاء) اللذين اكتسبا شهرة واسعة، (مع جان – بيار فيرنان أحد أعلام الدراسات الهيلنية أي الدراسات الخاصة ببلاد الإغريق وكلامها ومفهوم المواطنة فيها). والعالم الهليني القديم بحسب الدكتور مصباح الصمد ما انفك يرفد عالمنا المعاصر بأهم منطلقاته في ميادين الفلسفة والفكر والمنطق والتاريخ والجغرافيا والأدب.

مارسيل ديتيان أنثروبولوجي يدأب منذ بضع سنوات على جمع مؤرخين والسنيين وأثنولوجيين يعملون في آماد ثقافية مختلفة، يقترح منهجا جديدا في مقاربة العلاقات بين الثقافات، وفي مقاربة الثقافات ذاتها بثورة أوسع من خلال تجاوز ثنائية الهوية/الغيرية، وذلك يعني اليوم موقفا سياسيا يتناقض مع مقولات حروب الثقافات.

ديتيان يتخطى الانغلاق داخل ثقافة وحيدة هي الثقافة الإغريقية، رغم تعمقه فيها أكثر من كل الآخرين، وهو يتخطى أيضا الإنسانوية الغربية المتوشحة بلباس التمركز الغربي والتي جعلت من بلاد الإغريق المنطلق الأساسي للقيم المعاصرة ومقياس كل الحضارات كما يقول الصمد.

هذا موقف لمثقف غربي أشعر أن الثقافة العربية تحتاجه تماما في تقوية موقفها وهي تحاور الثقافة الغربية، نريد أن نراه ونصغي إليه.

لماذا لا تفكر مهرجاناتنا وفعالياتنا الثقافية في إحضار أمثال ديتيان الذين ربما يعرفون عنا أكثر مما نعرف انطلاقا من فكرة "المعاصرة حجاب". أمثال هؤلاء عندما يأتون إلينا للالتقاء بنا مباشرة ربما تتخذ أسئلتهم البحثية مناحي أخرى قد تضيف للمعرفة الإنسانية، خاصة أنهم – فيما نحسب – موضوعيين، مستقلين، العلمية والمعرفة بغيتهم بالدرجة الأولى.

فقد سئمنا الوجوه والأسماء المتكررة التي غالبا ما تدعى لمهرجاناتنا بناء على الصحبة و(الميانة) والمجاملات فلا تضيف شيئا فيما يتعلق بالمعرفي والثقافي.

وهذه هي النقطة الأكثر إثارة للتساؤل، خاصة إذا ما تذكرنا ذات الخطأ حين يقع محليا، فترى ذات الوجوه في كل محفل، ما يصيبك بالضجر أو الحنق على نحو ما يقول صديقنا المبدع عواض العصيمي في الفيسبوك، أحدث متنفس (لقد طغى سلطان الأنا على الجميع، باستثناء قلة من الناس، وأصبح التسابق على المشاركة في الفعاليات الثقافية في الداخل والخارج من أهم المكاسب الشخصية، قبل الأدبية، لمصلحة التزاحم على الواجهة، الكل يريد أن يضع من نفوذه وعلاقاته واتصالاته وتوسلاته، وأمواله أحياناً، جسراً لمجده الشخصي واسمه الرسمي، وليس مهماً أي مستوى من الأدب يكتب). مع اقتراب موعدي الجنادرية ومعرض الرياض نطلقها عاليا، لقد ضجرنا.