لا غنى لنا عن الخطاب الديني –أعني الشعوب العربية-، فالشعوب العربية في عمومها شعوب متدينة. لله سبحانه وتعالى، ورسوله الكريم، والأئمة، والفقهاء، والوعاظ حضور قوي فيها، ولعلماء الدين والدعاة احترامهم وتقديرهم العميقان.
لقد ساعدت وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة على انتشار الخطاب الديني انتشارا واسعا جدا، حتى لتصل موعظة ألقاها داعية في مدينة معمورة إلى قرية نائية من قرى أفريقيا عبر وسائل الأثير.
وفي ظل هذا الزخم تنتشر خطابات إما أنها تشدد على الناس في الاجتهاد الفقهي، فتضيق الواسع، وتشغل ذمم الناس بما لم يكلفهم الله به، وتقيم معارك فيما لا يستحق، أو أنها تؤسس لحركات وجماعات متشددة، تكون مآلاتها دماء مسالة، وأوطانًا مدمّرة، إضافة إلى خطابات أخرى تمييعية هلامية تفتقر إلى المعايير والثوابت، وتؤدي إلى الفوضوية والعبثية.
إن الخطاب الديني ليس هو الدين –بطبيعة الحال-، إنه فهم للدين قائم على استنباط ونظر واستدلال قديم يعود إلى التراث، أو حديث منتم إلى روح العصر. وحين أقول إن الخطاب الديني ما هو إلا فهم للدين؛ فإنني أعني أنه "بشري محض" أي إنه اجتهادات رجال وأقوالهم، فالدين فيه ما هو "قطعي الثبوت والدلالة"، وفيه ما هو "ظني الثبوت والدلالة"، أما الثبوت فالمقصود به "الطريقة" التي وصل بها النص الديني إلينا، هل النص هذا ثابت قطعا؟ هل هذا الحديث المنسوب إلى النبي الكريم –مثلاً- قاله النبي فعلا وبلا ذرة من شك؟ أم هو حديث ظنيّ الثبوت؟ أي أن نسبته إلى النبي الكريم ما هي إلا اجتهاد أحد المحدّثين ترجّح عنده بمنهجه في البحث والنظر والتحقيق أن النبي قاله ولكنه لا يستطيع أن "يجزم" بذلك؟ (الكثرة الكاثرة من الأحاديث النبوية هي ظنية الثبوت وبالإمكان مراجعة هذا في كتب أصول الفقه، وعلم الحديث).
هذه المرحلة الأولى، مرحلة "ثبوت النص"، فالقرآن الكريم مثلاً ثابت كله ثبوتا قطعياً إذ هو منقول بالتواتر العام كافة عن كافة منذ عهد النبي الأكرم نقلته الأمة كلها عن الأمة كلها، جيلاً عن جيل، وبلا أدنى شك، حتى زماننا هذا –على رغم اختلاف القراءات التي هي في معظمها اختلافات في كيفية النطق لاختلاف لهجات العرب في ذلك-، تمامًا كما نُقلت حروف اللغة العربية التي نتكلم بها ولا يمكننا الشك فيها لأن وسيلة نقلها هي "التواتر العام"، لكن هذا الشرط "اليقيني" الذي توافر للقرآن، وتوافر لكيفية الصلاة، والصوم، والحج، والهدي العام وغيرها "من السنن العمَلية التي يتفق عليها جميع المسلمين قاطبة مع اختلافات لا تضر في بعض التفصيلات" لم يتوافر للحديث النبوي، فالحديث النبوي فيه ما هو صحيح، وفيه ما هو حسن، وفيه ما هو ضعيف، على وفق تقسيم علماء الحديث، وحتى الحديث "الصحيح" - فضلاً عما هو دونه - تجد أن علماء الحديث "مختلفون" في تصحيحه، فكل عالم من هؤلاء المحدثين الكبار له منهجه في القبول والرد من حيث شروط الأداء والتحمل، ومن حيث تقويم الرجال جرحًا وتعديلاً، وكل تلك المناهج التي يقيم عليها المحدّث قبوله وردّه وتصحيحه وتضعيفه، هي مناهج "بشرية اجتهادية" ليست هي وحياً يوحى، وليست هي معصومة من الزلل والضعف والتناقض المنطقي، وما يزال علماء الحديث حتى يوم الناس هذا ينقد بعضهم بعضا إما في أصل المنهج، وإما في تطبيقاته.
تلك هي المرحلة الأولى، مرحلة "ثبوت النص"، وفيها مجال كبير للاجتهاد – في غير ثبوت القرآن الكريم -، وهذا ما ذكره ابن تيمية رحمه الله في كتابه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)؛ إذ ذكر أن من أسباب "اختلاف العلماء" أن النص الديني قد يكون ثابتا مقبولاً عند أحدهم، ولكنه غير ثابت ولا مقبول عند غيره، وهم بهذا لا يستحقون (الملام) لأن هذا أمر "اجتهادي بشري"، لا ينبغي أن يؤدي إلى اللوم والتقريع، ولا إلى الخصومة والاستعداء.
وبعد المرحلة الأولى تأتي المرحلة الثانية، وهي مرحلة "دلالة النص الديني"، وحين أتكلم عن دلالة النص الديني فأنا أتكلم عن "فهمه". أما في القرآن فلا جدال في الثبوت، لكننا سنواجه اختلافا في فهم ألفاظه ودلالاته بطبيعة الحال فمن ذلك مثلاً قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}، القرء في اللغة يأتي بمعنى: الحيض، ويأتي بمعنى: الطهر، وقد اختلف الصحابة أنفسهم في هذين المعنيين تبعا للغة العربية التي تقبل هذا الاختلاف. وأما في الحديث النبوي؛ فإذا ثبت النص الديني – لمن ثبت عنده على وفق الشروط التي يأخذ بها، أو التي يثق بمن أخذ بها من العلماء -، يرد هذا السؤال ضرورة: هل النص الديني الذي قبلتُه هذا يدل دلالة "قاطعة" على معنى واحد أوحد فقط لا غير لا يتعداه إلى غيره، أم أن النص هذا يفيد أكثر من معنى؟ وبناء على ذلك يجوز فيه تعدد وجهات النظر في الفهم والاستنباط؟
إن ما أقوله هنا في هذه التقسيمات حول "الثبوت" و"الدلالة" ليس جديدًا بطبيعة الحال، فلقد فصله علماء الإسلام وفقهاؤه وأصوليوه منذ العهود الأولى للإسلام حتى يوم الناس هذا، وصنفوا فيه المصنفات العديدة، ما بين مطوّل ومختصر، وتكلموا عن "دلالات الألفاظ" ما بين عامّ وخاص، ومطلق ومقيد، وظاهر ومؤوَّل، ومجمَل ومفصّل، واختلفوا في ذلك اختلافًا "واسعا" تجده مبسوطا في كتب علم أصوله الفقه. ولئن كان أئمة الإسلام قد اتفقوا في بعض المسائل والقضايا النظرية إلا أنهم في "التطبيق" أي في "إنزال تلك النظريات" على "الوقائع والحوادث" قد اختلفوا اختلافا واسعا كذلك.
المقصد من هذه المقدمة التأصيلية يا سيدي أن أقول: إن الخطاب الديني خطاب بشري محض، مبني على علم "اجتهادي" في نظرياته، وفي تطبيقاته، وبناء على أنه كذلك؛ فلا يمكن القول إن الخطاب الديني منزه عن الخطأ، ولا يمكن القول إنه يخلو من المآخذ والمشكلات، وإنه لا يمكن نقده وتصويبه وتقويمه ومراجعته، وحول مشكلات الخطاب الديني –على وفق نظري واجتهادي المتواضع– سأتكلم كلاما مفصلا في المقالات القادمة، إن فسح الله في العمر، واللهَ أسأل التوفيق والسداد.