يوم فاز الراحل روجيه جارودي بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام - رحمهما الله – وقفت أمام صورة للراحل الفيصل، وكتبت حينها عن أن الأمم تخلد أبطالها وعظماءها بالصور والتماثيل ولكن أبناء الفيصل خلدوا أباهم بجائزة عظيمة.

اليوم وبعد عقود أقف أمام رجل يشبهه من يعرفونه بالفيصل، وأقف أمام لوحة عظيمة أيضا لرحيله المشرف عن منصبه الذي كان قرار له أثره في النفس في اليومين الأخيرين، لأننا كنا نرى صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل، وهو يتألم ولا يرده الألم عن أن يقدم أروع المواقف السياسية التي تمثل رؤى المملكة ونصرتها لقضايا الحق ووقوفها بوجه أي ظلم.

من هو سعود الفيصل؟

هو الابن الثالث للملك فيصل بن عبدالعزيز، ولد في 1940 وعين وزيرا للخارجية وهو في سن الخامسة والثلاثين من عمره (في 1975 صدر مرسوم ملكي بتعيينه وزيرا للخارجية بعد شغور المنصب بوفاة والده الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود الذي كان وزيرا للخارجية وملكا على البلاد). ورث سعود مدرسة سياسية عظيمة من أبيه الذي عرف بدخوله معترك السياسة منذ نعومة أظافره.

وكان حين تولى منصب وزير الخارجية في أحلك ظرف يمكن أن يمر به إنسان وسياسي، فقد كان خلفا لوالده وقد كان فقد والده المصيبة الكبرى التي يمكن أن يمر بها، لكنه أدرك حجم أن "يكون الولد سر أبيه"، وربما لهذا أبقى على الكرسي والمكتب اللذين جلس عليهما الفيصل لعقود ولم يغيرهما.

خلال توليه حقيبة الخارجية سبق له أن أثار حفيظة كل المتربصين بالبلاد العربية، وطالما أثارت تصريحاته الجدل لوضوح رؤيته ودقة وقوة الكلمات التي يعبر بها عن مواقفنا، بينما يخاتل الأعداء ويتظاهرون بعكس ما يبطنون. وكسب احترام الأعداء وسطروا بحقه كلمات من ذهب. سعود علمهم أن السياسة الصدق وهدد بقطع أصابع الفساد الممتدة لنا. كما علمنا معنى أن يكون المنصب رجلا واحدا وصادقا لمدة 40 عاما، فلم ترتفع الأصوات يوما إلا داعية له بطول البقاء والعطاء. كانت كلماته تعطينا المزيد من الطمأنينة على سلامة الموقف والمصير المشترك الإسلامي والعربي والخليجي، في دائرة تضيق على العدو وتتسع للصديق.

ما يريده المواطن من الوزير أن يكون عينا تسهر على مصالحه لينام قرير العين؛ وهكذا كان وزيرنا الأحب.

المحادثات الأخيرة في القاهرة كانت تثبت أنه وزير بناء على تعبه في منصبه.. لم يقرر أن يرتاح.. كان فارسا على صهوة جواده.

ترجل الفارس وطبعت على رأسه قبلة من ولي العهد وابن عمه، أثناء البيعة المخلصة لهما، فكانت قبلة البيعة تعادل كل كلمة كتبت له في "شكرا سعود الفيصل"..

هل تعرف متى يكون الإنسان أميرا حقيقيا؟!... حين لا يظهر إلا سمو أخلاقه!

بحثت عن سعود الفيصل فعرفت أن من الحقائق المدهشة عنه أنه رغم طول عهده في الوزارة إلا أن الشهور تمضي دون أن يجلس خلف كرسي مكتبه، لأن هذا مضيعة للوقت! وأنه يقضي يوميا ما يعادل 14 ساعة في الطائرة ولا ينام إلا ساعتين فقط منها، ويمضي الوقت في قراءة الملفات والتقارير السياسية. ومما ذكر عنه أنه يجيد اللغة العبرية وقد وصفه كولن باول بأنه: "يمثل قوة تعادل اللوبي اليهودي بل ويعتبره لوبيا سعوديا"!

أعرب أحد مستشاري روسيا عن دهشته: كيف يستطيع أن يتحدث وزير خارجية بهذا الصدق!

ترك سعود رسالة مهمة في العطاء سبق وتركها كل مخلص تولى منصبا ولم يبحث عن أضواء بريقها الخلاب لينقله في صفحات الجرائد، أو لشاشات التلفزيون؛ فكان أن زهد فيما كان يتبعه منها، وبقينا ننتظر كلماته الموجزة التي تنبع من ذهنه الحاد ومن قلبه الصادق ولسانه الفصيح.

من أهم تصريحاته أثناء الحرب على غزة أن قال: "إما أن يتعامل مجلس الأمن مع قضايانا الشرعية بجدية ومسؤولية ترتكز على مبادئ القانون الدولي أو سنكون مجبورين أن ندير ظهورنا ونقرر الخيارات التي تفرض نفسها".

علمنا الأمير الوزير سعود أن اللغة قوة، وأن قوة الإنسان في كلماته المباشرة التي تصب في ميزان الحق، حتى كنا نرى في كل تصريح له "الفيصل الراحل" يعيدنا للنخلة والصحراء وينزع عن أعدائنا رفاهية الاستغلال الزائفة!

هل أخطأ سعود الفيصل يوما؟!

نعم أخطأ حين جعلنا نظن أنه سيبقى، خلافا لسنة التغيير في الحياة، فلم يشغل بالنا من يمكن أن يتولى هذا المنصب بعده وإن دمعت عيناه وهو يذكر الملك الصالح، فيحق لنا أن نسميه بالوزير الصالح.

سدد الله الوزير الجديد وثبت الله أمن هذا الوطن بكل رجل مخلص.. وبيعة حب وولاء لكل المخلصين في هذا الوطن وعلى رأسهم مليكنا المحبوب.