التعصب للدين هو شكل من أشكال التطرف الصامت، ولا ننفيه عن أي مجتمع بل هو كامن في مجتمعاتنا منذ الأزل، وسرعان ما تشب وتنمو شرارة التعصب والطائفية لتظهر جلية عندما تجد من يسقيها. إنه مرض العصر وليس مبالغة إن قلنا إنه مرض الشعوب الآن.
إن الصراع الطائفي والتعصب الديني في حقيقتهما صراع بين الفكر الديني والنزعة الدينية لمذهب ما، والفرق كبير بينهما ولكن كل عقدية بطبيعتها لا بد لها من عدو، وكل فرد فيها يقوم على اجتراح نموذجه الخاص، وهو ما يقوم به الطائفي المتعصب، وهو ما يجعل انضمامه إلى الإسلام السياسي كارثة تاريخية كصراع وجودي مع الآخر المختلف عنه مذهبياً، وأضف إليه بالنسبة له أيضا العلماني والليبرالي واليساري والطائفي مغيب عن كارثية تعصبه وانتمائه لنموذج محدد مكتفيا به كونه بالنسبة لكل منتم لفكر طائفي أو عقدي أمر غير قابل للنقد والتغير.
كل إنسان ينتمي إلى دين ما هو إنسان مجرد ويرى الأشياء بعقلانية دينه وانتماء دينه بدون تقبل أية مسبوقات وتصورات سواء كانت ثابتة أو قطعية. ولكن يظل العنصري المتعصب الطائفي جميعهم وجوه متعددة لذات الشخص. هم بيننا، نلتقيهم كل يوم، نقتسم معهم الحياة ذاتها بإيمان مختلف إلا أنه الإيمان النقي المطلق بالإنسان والدين والحق وليس على طريقتهم. إنهم تلك النماذج التي لن يتوانوا عن أن ينعتوا غيرهم بكل ما يشعل الحقد والكراهية.
أن تكون واعيا تجاه كل ما هو طائفي عنصري يعني أنك ستكون ضد كل تلك الإسقاطات المأزومة. ولهذا تقتضي مصلحة اللحمة الوطنية من كل مؤمن بها استقراء هذا النوع من التجاوزات ورفضها، والوقوف أمام كل من يمارسها بقلب الصالح العام.
من العيب أن يتغاضى المتعصب لمذهب ما عن مدى فداحة جرائم الطائفية، وأن يغمض عينيه عن الجرائم الدموية التي يتم ارتكابها بدافع طائفيته.
على الرغم من هذا علينا بالمقابل ألا ننهى عن فعل ونأتي مثله. فمن الإجحاف أن نحرض على كراهية من هم من غير انتمائنا، أو مذهبنا، أو عقيدتنا، أو لوننا، أو قبيلتنا. في كل الطوائف والانتماءات هناك رائحة الموت، والقتل، والظلم وهذا أبعد ما يكون عن تحقيق أية عدالة إنسانية، أو نجاح أية ديموقراطية إن كانت سياسية، أو اجتماعية. هنا يكمن سر الرائحة العفنة لكل ما هو طائفي، فلا تسق هذه البذرة في أرض موطنك ولا قلب فكرك.