لم يعد هناك حواجز أو أخبار مختبئة خلف التعتيم والتابوهات والممنوعات، لا يوجد الآن قسر للرأي العام على ما يبث رسميا وما يتم حقنه في العقول مباشرة.. الآن بإمكانك أن تطلع على كل العالم من خلال نقر بسيط على جهاز الريموت، بمقدورك أن تستمع إلى الأناشيد التي تمجد جيفارا في كوبا، وتلك التي تلعن كيم جونغ أون في سيول.. ولا بأس أن تابعت أيا من الرياضات التي تعشقها وفي البلد الذي تريده.

الريموت منح الحرية المشاهداتية المباشرة لكل متطلع، ما عليك إلا أن تضبط قنواتك وتنتقي ما تريد، لا حسيب ولا رقيب، وحتى لا تشويش يطال جهازك.. نعلم ما يجري في سورية، ونكتشف ما يحدث من طائفية في العراق، نقرأ صراعات ليبيا ونشاهد بأم أعيننا العبث الحوثي في اليمن.

العالم أصبح بمتناولنا، وبفضل هذا الريموت ازدادت ثقافتنا السياسية والرياضية، وبات لدينا وعي وإدراك ومعرفة بالمجتمعات والشعوب، تعرفنا على ثقافاتهم وعاداتهم، تجاوزنا معه كل المعيقات والممنوعات نشاهد ما نريد ونتجاوز ما نريد تجاوزه، اقتحمنا سقف الحرية وأصبح لكل منّا خياراته وقنواته.. ندلف إلى ما نريد من قضايا ونستعرضها، بالطبع لم يكن مسموحا من قبل فعل ذلك، لكننا الآن من فرط قوة اقتحامنا أصبحنا خبراء، ولا يستطيع أي إعلام أن يضحك علينا؟!

لم يعد هناك تلفزيون موجّه ومعلومات موجّهة فقط، إما أن تشاهدها أو تختار الخيار الثاني "تنام خاليا"، تخلص العالم من عقود من الإعلام الذي يريده أصحابه، لا الذي تريده أنت، أصبحنا نختار حتى من بين من ينتمي لنا فالمجال الكبير والتنافس على أشده وكل يريد أن تكون معه، ولا بأس لأجل ذلك إن تنازل عن احتكاره ونرجسيته وانغلاقه.. يريدك أن تدعمه بالمشاهدة كي ترتفع مداخيله.

أصبح لدى المشاهد وعي وقدرة على تفسير الأمور وقراءة الأحداث، لن يكون بعد اليوم أسيرا لآراء المحتكرين عبر شاشاتهم التي لا تشاهد إلا هي! بإمكاننا أن نطلع على كل الآراء ومن مختلف القارات على قضية معينة، بإمكان البعض أن يستمتع بما يريد الاستمتاع به وكان ومازال من ضمن التابو الممنوع على قنواته.. كل بيده ريموته وثقافته وتوجهاته يحددها المسار الذي يقود الريموت إليه.

لم يعد بمقدور أحد أن يحتكرنا، ولم يعد بمقدوره أن يكذب علينا، أصبحنا من فرط خبرة بكل ما يصل إليه الريموت نعرف الغث من السمين، ندير الحوارات ننتقد الفعاليات، نقيم الآخرين، نصنع الأحداث ونعلق عليها، نوصل رسائلنا مباشرة إلى من نفضلهم وكذلك إلى من نختلف معهم وحتى أعداء بلادنا لنخبرهم بأننا نعرف كيدهم وغلهم.

الأهم في القول أن هذا الريموت سيطر على حياتنا الاجتماعية بل وأضعف بصرنا، وجعل منّا أسرى للبيوت، معظم وقتنا أمامه لا نستغني عنه، حتى أننا من فرط تعلقنا به نقلناه إلى أجهزة الهواتف لدينا وما يفوتنا هناك يحضر هنا، إلى درجة أننا حين نقود مركباتنا نضغط على أرقامه في هواتفنا، لقد قولب ثقافتنا، فبسببه أصبحنا جميعا محللين في كل شيء في السياسة والاقتصاد والدين والرياضة.