مع كل إعلان عن المتوجين بأي جائزة من جوائز الأدب والإبداع العربي تثور عواصف التشكيك، وتنهال الاتهامات لتنال من صدقية النتائج، محيلة إياها إلى اعتبارات سياسية، وربما كذلك جغرافية، مقلصة إلى أبعد حد استنادها إلى المعايير الفنية الإبداعية.

ومن هنا، حملنا السؤال: هل يعد تدخل الاعتبارات السياسية في منح الجوائز العربية الأدبية أمرا موجودا حقيقة؟ أم أن الحديث عنه مجرد مبررات يحاول ترويجها من تجاوزتهم هذه الجوائز؟

كما طرحنا سؤالاً يتعلق بالمعايير الأهم التي تجعل من هذه الجائزة أو تلك محل التقدير والاعتبار لدى جمهور الأدباء والنقاد والقراء على حد سواء؟



مجرد اتهامات

يرى الكاتب السعودي الدكتور علي الرباعي أن اتهامات تدخل الاعتبارات السياسية في غير مكانها الصحيح، وهو يقول "أي جائزة تحترم اسمها وسمعتها غالبا ما تكون بعيدة عن أي اعتبارات باستثناء الاعتبارات الفنية والإبداعية".

ويكمل "في الوطن العربي لدينا تهم جاهزة للجوائز والقائمين عليها، لكن أي اتهام غير مستند إلى الأدلة يبقى في دائرة التجني".

ويضيف "على المستوى العربي أجد أن أعضاء لجان تحكيم الجوائز هم محكّمون كبار لهم أسماؤهم المهمة، كما أن لجان التحكيم تستعين غالبا بمحكمين أكاديميين بعيدين عن اللجنة نفسها، وهم يتعاملون مع المؤلف من دون اسم صاحبه، وهذا يعطي صدقية لمعظم هذه الجوائز".

ويرى الرباعي أن هناك جوائز عربية فرضت حضورها العالمي، واستحقت التقدير مثل جائزة الملك فيصل التي تعد من الجوائز الكبيرة والمقدرة وذات التراكمية على مستوى الخبرات بعد ثلاثة عقود من انتظامها، إضافة إلى الموضوعية في جوائزها، حيث منحت لمبدعين في الفنون والعلوم من كل القارات، ومن دون اعتبارات للديانة والمذهب والانتماء السياسي.

لكن الرباعي لا ينفي وجود جوائز تنطلق من فكرة معينة، أو من خدمة لفكرة بعينها، وهو يرى أن هذه الجوائز تحتكم بالتالي لاعتبارات واهتمامات خاصة تفرضها الفكرة، وهي بالتالي لا تحظى باهتمام وعناية المثقفين الذين لا يعولون عليها كثيرا.

كما لا ينفي أن هناك بعض الجوائز تركز على الإقليم، موضحا أن الجوائز المصرية غالبا ما تحرص على الانتماء للإقليم المصري- السوداني، مشيرا إلى أن جائزة نجيب محفوظ منحت في الغالب للمصريين والسودانيين، ويقول "نلتمس للمصريين العذر، فمصر قبلة ثقافية لها باعها الطويل، وإن كنا نتمنى أن تخرج جوائزها إلى إطار عربي أوسع، خصوصا أننا تعلمنا قيم العروبة من مصر".



لا حياد تام

ويرى الروائي المغربي مصطفى لغتيري، رئيس الصالون الأدبي المغربي، عضو اتحاد كتاب المغرب، خريج كلية الآداب والعلوم الإنسانية أن "الجوائز الأدبية العربية أسهمت بشكل كبير في تحريك المشهد العربي الأدبي الراكد، وخلقت أجواء جديدة تتسم بالمنافسة القوية بين الأدباء على الظفر بها، وما بين دور النشر التي أضحت منفتحة أكثر على الإبداع الأدبي والروائي على الخصوص لتكسب موطئ قدم أو أقدام في التتويج بهذه الجوائز.

ولا ريب  كذلك في أن جنس الرواية على الخصوص حظي بأهمية، خصوصا في هذا الحراك الثقافي المرتبط بالجوائز، من دون أن ننسى جنس الشعر الذي ناله من ذلك نصيب كبير، وتبقى القصة القصيرة جنسا مغبونا في هذا المجال، لأنه لم ينل ما يستحقه من اهتمام، لاسيما في ما يتعلق بالجوائز، رغم أنه جنس متأصل في الإبداعية العربية، وقد برز فيه رواد لا يمكن تجاهلهم، كما أن إصداراته في اطراد مستمر.

أما بخصوص النقاش الدائر حول التدخلات السياسية فأظن أن فيها كثيرا من المبالغات، فمن الطبيعي أن الحياد التام في جل الجوائز ضرب من المحال، لكن التهويل والمبالغة مجانبان للحقيقة، إذ إن هناك كلاما يروج من دون مبررات مقنعة، ومع ذلك أظنه على العموم نقاشا صحيا يروم تطوير هذه الجوائز، كما يشكل نوعا من الرقابة على لجان التحكيم، حتى تتميز اختياراتها بأكبر درجة من الصرامة والصدقية".

قناعات وذائقة

أما القاص والروائي المصري أحمد طوسون المهتم بالجوائز الأدبية العربية، فيقول "السؤال عن تدخل الاعتبارات السياسية في الجوائز العربية سؤال شائك، ترتبط الإجابة عليه بدرس الشخصية العربية ومكوناتها الثقافية ومدى إيمانها الحقيقي بثقافة الاختلاف والتعدد، بعيدا عما يرفع من شعارات في العلن.

ولا أحب قصر السؤال على الحالات الفردية، لأن الجوائز عادة ما تتعرض لانتقادات بعد إعلان نتائجها مهما كانت درجة النزاهة، لأن النتائج رهينة بقناعات وذائقة محكميها في النهاية.

السياسة موجودة في كل شيء، بما فيها الجوائز الأدبية، لكن الاعتبارات السياسية تمثل النسبة الأضعف في التأثير.. الآن تلعب دور النشر الدور الأكبر وبخاصة في المسابقات التي يُشترط أن يقوم الناشر بترشيح الأعمال لها، ويمارس بعض الصحفيين والأدباء والنقاد ضغوطا لمصلحة هذه الدور، كما تلعب الجغرافيا دورا آخر في كثير من الجوائز، فتراعي التوزيع الجغرافي للفائزين عبر دوراتها.. لكن تطفو السياسة على السطح عندما تكون هناك خلافات عميقة بين البلد المنظم والبلد الذي ينتمي إليه الأديب، أحيانا تكون لمصلحة الأديب وأحيانا تكون ضده بحسب موقفه وآرائه السياسية، لكننا لا نستطيع أن نغفل أيضا ما يقوم به بعض الكتاب وما يقدمونه من مبررات بغرض لفت الأنظار إليهم وإلى إبداعهم".



معايير

ويعود الحديث المعايير إلى لغتيري ليتطرق إلى المعايير التي تجعل من هذه الجائزة أو تلك محل التقدير والاعتبار لدى جمهور الأدباء والنقاد والقراء على حد سواء، فيقول "أهم المعايير التي أراها مناسبة، هي إيلاء الأمور إلى أهلها، وهذا هو المنطلق الصحيح، وذلك بأن يسند تحكيم الأجناس الأدبية إلى نقاد متخصصين ومبدعين معروفين ينتمون للمجال الإبداعي نفسه المستهدف بالجائزة.

كما أنه من الممكن خلق جائزة لجمهور القراء، بالتفكير في آلية معينة تتيح للقراء التصويت على النصوص المتبارية، حتى يحدث نوع من التوازن ما بين تتويج يقرره المتخصصون وآخر يقره القراء الهواة، ولعل هذا التوجه سيجعل الإبداع الأدبي أكثر شعبية وقراءة، ولعمري فذلك هو الهدف الأسمى من إحداث الجوائز الأدبية".

بدوره، يرى طوسون أنه "مهما وضعنا من معايير، ستظل اختيارات أي جائزة موضع اختلاف، وهو ما نلمسه في الجوائز الأدبية العالمية، لأن الأدب في النهاية لا يخضع إلى معايير محددة جامدة في تقييمه، خصوصا إذا كنا أمام أعمال تتقارب في المستوى الفني.. في النهاية ما يفضل عمل عن آخر سيكون ذائقة المحكمين وضمائرهم.. لذا فأهم معيار من وجهة نظري أن تكون أسماء المحكمين من النقاد والأدباء تتوازى وقيمة الجائزة في الواقع الثقافي العربي، وأن يتم الإعلان عن هذه الأسماء عقب إعلان النتائج وليس قبلها حتى لا تتعرض للضغوط التي قد تؤثر في البعض، كما أرى أن أخطر مراحل أي جائزة هو اختيار اللجان التحكيمية الأولى التي ربما لا تأخذ وقتا كافيا لفرز الأعمال وقراءتها، كما أن اختيارها لا يكون بعناية اختيار اللجان النهائية نفسها، على الرغم من أهمية دورها الذي يؤثر في النتائج".

فيما يرى الرباعي أنه "كلما كانت الاعتبارات فنية، وتركز على المنتج وحده بعيدا عن الاعتبارات الأخرى استحقت الجائزة التقدير".

ويضيف "ليس أي منتج يحظى بالقبول، وثقافيا نحن ميالون للانتصار لقيم الجمال والخير والحرية، وأي عمل إبداعي يتبنى هذه القيم يستحق التشجيع حتى لو لم يفز بالجائزة.. الانتصار يجب أن يكون للأفكار بعيدا عن أقلمة الجوائز".