مناسبة حديثي اليوم عن التدريب هي تغريدة أطلقها وزير التربية في موقعه في تويتر الأحد 7 رجب 1436هـ أعلن فيها انطلاق 223 دورة تدريبية لتدريب 16746 معلما ومعلمة، ونسأل: هل يتدرب المعلمون والمعلمات على أساس احتياجاتهم التدريبية بعد عمل تحليل علمي لاحتياجاتهم الفعلية؟ إذا تم ذلك نقول إن ما أعلنه وزير التربية إنجاز حقيقي يستحق الإشادة وإذا لم يتم فنحن ننزلق في نمطية التعود على الكم في إنجازاتنا تلك النمطية الكارثية التي تهدر المال والجهد والوقت. نحن في إنجازاتنا تعودنا الاعتداد بالكم كثقافة واعتدنا كذلك الاحتفاء بالإنجاز كهدف نهائي. وهاتان كارثتان تحلان بالإنجاز، وسأقول لكم لماذا؟ بالشواهد والأدلة والأمثلة حتى لا يكون الحديث مجرد تنظير لا يستند إلى وقائع، وأبدأ بالتدريب.

 انظروا وتفحصوا في أخبار التدريب وأعداد المتدربين دون الاستناد إلى دراسات تحدد الاحتياج الفعلي للمتدرب وما هي إخفاقاته وسلبياته والجوانب التي يحتاج التدريب فيها، التدريب فيه مشكلتان: الأولى: أنه مثل حبة (البراسيتمامول) التي تخفف الألم دون معرفة مصدره ثم علاجه للقضاء عليه، والثانية أننا مهما كانت لدينا من ميزانيات ومهما كان عدد الدورات التدريبية لا يمكن أن نلاحق كل جديد لعدد 500 ألف معلم هذا مستحيل، إذا أتى الدور على بعضهم يكون محتوى التدريب قديما ولا يتماشى مع العصر الرقمي الحديث والمتسارع، في الأولى نحن لا نحتاج إلى هذا التدريب من هذا النوع، اسألوا المتدربين، ادرسوا أوضاعهم واحتياجاتهم، وستجدون أن بعضهم وربما معظمهم لا يحتاجون الدورات التي دُفعوا لها. وربما كان بعضهم أعلى من مستواها. إذا كان الأمر كذلك فماذا نقول حول المال والجهد والوقت الذي صرف فيها؟ إننا هنا نطرح أسئلة كبيرة نحتاج إلى إجابات كي نعرف الإنجاز الحقيقي الذي يرتقي بالمنتج في النهاية وهو الطالب.

لا بد "ونحن لا نزال نتحدث عن المشكلة الأولى" أن نعرف احتياج المتدرب الحقيقي فعلاً بعمل تحليل احتياج need analysis لكل متدرب قبل دفعه لأي دورة تدريبية، لا بد أن نعرف مدى استفادة المتدرب من البرنامج التدريبي ليس بمدى استيعابه ما تدرب عليه، هذا بسيط نعرفه عن طريق اختبار يُجرى في نهاية البرنامج التدريبي، لكن عن طريق مدى تقدم الطلاب الذين يعلمهم نتيجة هذا التدريب. لا بد أن يكون أي إنجاز قناة يصب في النهاية في المنتج ليرتقي به ومنتجنا هنا هو الطالب، لهذا يجب أن يقاس التدريب بمدى تقدم الطلاب لا بمدى إجادة المتدرب واستيعابه ما تدرب عليه، هنا -وهنا فقط- نستطيع أن نقول إن التدريب صادق وحقق أهدافه وأعطانا ما صرفناه عليه من وقت وجهد ومال. أما المشكلة الثانية والمتعلقة بملاحقة الجديد بأساليب التدريب التقليدية فهي ليست فقط غير ممكنة، بل إنها مستحيله. التدريب التقليدي لا يكفي لأنه لا يحقق كل الأهداف، لماذا؟ لأننا ببساطة (وهذا شاهدي) لا يمكن أن نلاحق كل جديد لكل الـ500 ألف معلم بهذا النوع من التدريب والحل؟ الحل هو ما تقوله لنا الدراسات الحديثة بتبني ما اصطلح عليه بـمسمى "التدريب الذاتي"، لا بد أن نزود كل معلم بمهارات التدريب الذاتي التي أخرجتها لنا الدراسات الحديثة، ثم نوفر للمعلم الأدوات (وهذا سهل) التي تمكنه من متابعة كل جديد بنفسه، وأركز هنا (بنفسه)، كي يقوم بتدريب نفسه بنفسه على كل جديد في مجاله وكيفية ملاحقة كل جديد. ومن هنا نستطيع أن نساير العصر بتدريب غير تقليدي ونضمن أن كل معلم لاحق الجديد ولم ندربه على محتوى قديم بواسطة التدريب التقليدي فقط بسبب أن دوره تأخر نظراً لكثرة عدد المتدربين، ولهذا فإن الاعتماد على التدريب التقليدي غير مجد.

وخلاصة القول: نعلن هنا بكل ثقة أن الإعلان عن عشرات الآلاف أو مئات الآلاف الذين ندربهم بواسطة التدريب التقليدي هو إنجاز غير كاف. الإنجاز الكافي هو أن نلاحق كل جديد وأن ندرب للاحتياج الفعلي لكل متدرب، وليس فقط للكم. وأن نتأكد أن البرنامج التدريبي قد انعكس أثره على المنتج وكان بالفعل قناة تصب في ارتقاء مستوى الطلاب، ونتأكد من ذلك بالشواهد والأدلة عن طريق النظر إلى إنجاز الطلاب بمستوياتهم كافة، وذلك بالتأكد من أن الضعيف تقدم والمتوسط تقدم والمتميز ربما كان موهوبا ونكتشفه. هنا -وهنا فقط- نبتهج بالكم والكيف التدريبي، وما عدا ذلك كما قلت، مجرد مضيعة للوقت والجهد والمال.