في مكتبة الملك عبدالعزيز في الرياض تحدثت في محاضرة لي عام 2009م عن تجربتي في القراءة والكتب التي لفتت نظري، ولما اشتغلت على البحث توسع الموضوع إلى حجم كتاب في نيتي أن أطبعه بعنوان "قوانين البناء المعرفي".

اهتديت فيها إلى قريب من ثلاثين فقرة تشكل كل فقرة قانونا خاصا للتعامل مع عالم الكتب.

ومن هذه القوانين اقتناء الكتب، وحين أزور المعارض والمكتبات أشمشم الكتب الجديدة والقديمة، ثم اشتري منها مالذ وطاب، وأضعها كلها حسب الأولوية بمعنى أنني قد يأتي دور كتاب ما بعد سنة أو سنتين للاطلاع مثل عمال البحر لفيكتور هوجو الروائي الفرنساوي الذي ترجم أيضا بعنوان "عاصفة وقلب" نعم أعلم أناسا يشترون الكتب ويحبون خاصة الأعقاب المذهبة، فإذا صدف ودخلت بيت أحدهم طالعتك خزانة جميلة اصطفت فيها كتب ميتة بأعقاب من ذهب.

وفي يوم دخلت بيت صديق لي طبيب فقال لي ما رأيك في مكتبتي؟ لم أرد فجيعته ولم أرد مجاملته؛ فلما تأملت محتوى الكتب عرفت أنه منقطع عن العصر، مع أنه بنى نفسه طبيا من العصر، قلت له أنت تدربت على أحدث التقنيات في بريطانيا، ولكنك تعيش العصر البويهي مع السلاجقة وأيام المماليك الشراكسة مع المملوك برقوق وسعيد جقمق؟

لم يستوعب كلماتي تماما، قلت له من أراد أن يعيش العصر رأيت مكتبته مختلفة الأحجام في الكتب، منوعة الألوان بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود

لم يفهم أكثر واحتار قلت له أخي الفاضل حين تتنوع مصادر المعرفة من كتب في السياسة والفقه والتشريع والتاريخ وفلسفة العلوم والذرة والكوسمولوجيا والأنثروبولوجيا ومن لغات مختلفة رأيت تباين الكتب والألوان والأحجام على شكل فريد بهيج، أما الكتب مذهبة الأعقاب عفوا فهي الكتب القديمة من الأحوذي والباري والحصفكي وابن أثير والسستاني وابن خلكان واليعقوبي، وهي كتب يستأنس بها تعطي فكرة عن تاريخ وإمكانيات مضت، ولكنها لاتتم بدون قراءة تطور التاريخ ومدلهمات الأحداث وحروب القرن والفلسفات الحديثة والنظريات التي قلبت التصورات ونوع العالم وكيف ولد ومن أين جاء؟..

إنني حين أدخل معارض الكتب أتأمل وأقلب الكتب فأضع بجنبي حمل بعير من عشرات الكتب، خاصة الجديدة التي لم أسمع بها وتلفت نظري، ولو من كاتب شيطان مريد؛ فيجب أن أعرف ماذا يدب في العالم؟

وحين أكوم الكتب مختلفة الأحجام والألوان أبدأ في تصفح مايثيرني منها، وقد يأتي دور لكتاب مثل الفتنة لهشام جعيط بعد سنة من شرائه، وما يحصل معي عادة حين أقرأ كتبا تنتسب لجوها أن أغرق في الكتاب الليالي ذوات العدد، حتى أتشرب جو البحث وأدخل في تلافيف دماغ الكاتب، وهو ما حصل معي في قراءة جو الفتنة المروع الذي طال جيل الصحابة والتابعين الأول وسالت فيه أنهار من دماء ودموع.

إن قراءة التاريخ أكثر من هامة كي لاتكرر أخطاؤه مع الفوائد المركبة؟ ولكن هل من مستفيد؟

من هذه الكتب اللذيذة التي قرأتها متأخرة عن وقتها "رحلة ماجلان" للروائي النمساوي ستيفان زيفايج، و"دافنشي"، و"معالم تاريخ الإنسانية" لـ هـ ـ ج ـ ويلز؛ مقابل كتب قطفتها فورا مثل الحصاد الأولي مثل "نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما، و"اليابان تقول لا" لعضو الدايت الياباني شينتارو إيشيهارا، و"آفاق المستقبل" لجاك أتالييه مستشار الرئيس الفرنساوي الأسبق ميتران الذي أصبح في ذمة التاريخ، وتمنيت من عزت بيجو فيش البوسني أن يكون اختصر كتابه أكثر وركز على الأحداث ونقلنا إلى تصورها تماما خارج تصريحاته الصحفية وبياناته هنا وهناك مما أثقل كتابه ومللت أنا منه فتركته ولم ينته، وهكذا فالكتابة فن؟

وهناك كتب أرمقها من بعيد كلما مررت بمكتبتي الجميلة مثل "مذكرات نيلسون مانديلا" التي كانت زوجتي رحمها الله تقرؤه وتعطيني أفكارا عنه، و"مذكرات الحوراني" ثعلب سوريا، و"السيرة الذاتية" لكل من إيزنهاور وديجول والمسيري وما وتسي تونج؟