في العصور الإسلامية التي شهدت نموا حضاريا وفكريا كبيرا، حين كان العالم المسلم مرجعا ومقصدا لطلبة العلم من مختلف أنحاء العالم، لم يكن يتعد الاختلاف المذهبي بين طوائف المسلمين الدرس العلمي والنقاش بين العلماء الكبار من كل مذهب. فكتب التاريخ تحتفظ بالكثير من الجدالات العلمية الطويلة بين هؤلاء العلماء الذين حرصوا على أن تبقى في إطارها العلمي والشرعي في كثير من الأحيان، ولم تستغل وتوظف سياسيا إلا في عصر الضعف والانحطاط، كما يحدث الآن في الأمتين العربية والإسلامية. فنحن وبكل صدق نعيش ترديا فكريا مخيفا، كان أحد أهم أسبابه تصدر الجهال وأصحاب المصالح السياسية لمجالس الفكر والتنظير، وبالتالي التنفيذ.

ولعلي أشير في هذا الإطار إلى التأثير الخطير لبعض خطب المساجد أو الكلمات الوعظية السريعة التي كثرت هذه الأيام وخصوصا في ظل الأحداث الحالية. ومع يقيني الشديد أن أصحابها حريصون أشد الحرص على تماسك المجتمع وتعاضد كل أطيافه وطوائفه الدينية والفكرية والاجتماعية، إلا أن ضعف المعلومة ودقتها لدى البعض منهم يؤديان إلى إطلاق أحكام وآراء قد تكون سببا في تشظي المجتمع أو ظهور صراعات جانبية ضررها كبير على الوحدة الوطنية. فبعض هؤلاء الخطباء والوعاظ يصر على الدخول في نقاش تفاصيل مذهبية وهو لا يملك الحقيقة حولها، فيستعين بمعلومات سطحية أو مغلوطة عن حقائق المذاهب الإسلامية وتفرعاتها ومعتقداتها.

لذا من واجب الجهات الرسمية وفي مقدمتها وزارة الشؤون الإسلامية، الانتباه لهذا الأمر ومحاولة ترشيد وتمحيص أي خطبة أو خطاب أو فتوى أو محاضرة تتعلق بالجانب المذهبي، وألا يسمح لأحد بالخوض في هذه الأمور المعقدة والشائكة والخطيرة على السلم الأهلي، إلا لأشخاص ذوي علم عميق مع وعي وطني وإنساني كبير. لأن المشاكل والأخطاء تأتي غالبا من المتحمسين ذوي الضعف العلمي الذين يصح أن نطلق عليهم "أنصاف المتعلمين".