نسمع بين كل فترة وأخرى عن شباب مثل (الورد) حملوا حقائبهم، وتركوا عائلاتهم للالتحاق بالجماعات الإرهابية في مختلف مناطق الصراع، ونسمع أيضا عن بعض الشباب الذين لم يتمكنوا من اللحاق بمن تقدم من أقرانهم، ولكنهم في غاية الأهبة لتنفيذ أي عمل جهادي يطلبه منهم من لا يستطيعون مخالفة أوامره.. بعض هؤلاء الشباب ميسور الحال، وبعضهم نال نصيبا طيبا من العلم، ولكن القاسم المشترك بينهم جميعا هو خضوعهم لعمليات تلويث ـ غسل ـ أدمغة قام بها من قام بها من (دجاجلة) تستروا برداء الدين، وتدثروا بإزار الفضيلة؛ فــ"ضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
الأساس في عمليات تلويث الأدمغة بحسب المختصين في هذا النوع من المعرفة هو "الجهل"؛ فحيثما تيسر للدجاجلة دماغ فارغ، سهل عليهم توجيه صاحبه التوجيه الذي يتناسب ورغباته واتجاهاته، ويسهل عليهم جدا عمل ذلك إذا أحسنوا تفسير الدين بما يتماشى وفق أهواء متدينين منحرفين، تابعين لأجندات دول خبيثة، وأجهزة مخابراتية.. هؤلاء الدجاجلة لديهم مهارة خاصة في اللعب على وتر المتناقضات، ويجيدون خداع الشباب، مستغلين عدم إدراكهم، وضعف تكوينهم الثقافي، الذي يجعلهم بعد آليات وتدريبات وخطوات مدروسة متبنين لما يعرف بالمفهوم الإقصائي لكل ما حولهم، ومن حولهم، والمؤسف الأكبر أنهم يظنون أنهم يخدمون الدين، وأن الواحد منهم من كبار الصالحين.
عربيا وعالميا الإسلام هو المتهم، والمسلمون ـ بعضهم ـ متهمون بالتواطؤ، وبتنمية العقليات الجهادية، والحقيقة أن الفشل في مقاومة جذور التطرف، التي تكمن في فساد الأنظمة التعليمية والتربوية، وغياب الخطاب الديني المستنير، والتقاعس عن تصميم برامج ودورات وندوات تكشف عن الفهم الصحيح للنصوص والمفاهيم، وانعدام وجود استراتيجية دينية تنويرية تقوم على مراجعة عميقة للمنظومة الدينية ككل هو (المتهم الأوحد)، وكمثال على ذلك تدريس بعض النصوص لرموز جهادية، والتأكيد على أن الجهاد فرض عين، وتغليف ذلك كله بآيات قرآنية، وأحاديث نبوية شريفة يتم استخدامها في غير محلها.
الأوضاع الحالية المتعلقة بمن ذكرتهم من الشباب المخدوعين مركَّبة، ومربِكة، فالإرهاب ـ وكما يتردد دائما ـ ليس مجرد تنظيمات حركية جهادية تستخدم التفخيخ والخطف وغيره، بل هو نسيج كامل فيه البعد العقائدي الديني، والبعد الفكري التكفيري، وله أبعاده الثقافية التي تكره كل شيء جميل، وله أبعاده الاجتماعية، والاقتصادية، وكلها تنطلق من تكفير الناس، وتبديع عقائدهم، حتى تمكنت من تغيير هوية المجتمع من العالمية التي أرادها الله تعالى، إلى هوية صغيرة متقوقعة على فئة معينة احتكرت الدين لصالح أطماعها الخاصة. هذا التكفير أو التبديع الذي أصيب به شبابنا هو ناتج طبيعي لمسببات كثيرة، أهمها حشو أدمغتهم بعدم قبول الاختلاف في فهم النصوص الدينية، مع أن الأصل في الكفر هو إنكار الضرورات الدينية، أما الإيمان بها والاختلاف عليها فموضوع مختلف، وليس عيبا أبدا ـ لا شرعا ولا عقلا ـ أن يذهب البعض إلى غير ما ذهب إليه البعض الآخر، وليس في ذلك أي خروج عن سلطة النص الديني، أو اعتبار أنه تكذيب لله ـ سبحانه وتعالى ـ ، أو لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..
خاتمة:
المهمة كبيرة على من بيديه الحل والعقد في إعادة تقويم القناعات الدينية للشباب عبر برامج (لا يكل) القائمون عليها من تطويرها، وبدون ذلك سيبقى شبابنا على الحالة المؤلمة التي يعرفها الكل؛ ومدى الحياة.