انتقل المجتمع الغربي إلى أبجديات الحداثة من خلال التقدم الاقتصادي في بعض تصورات مفكري الحداثة، ومن ثم التطور الفكري والمجتمعي بحكم التطور الصناعي في عدد من تلك الدول، إذ انتقلت أوروبا من حال إلى حال أخرى وتفوقت على كثير من دول العالم منذ حوالي أكثر من مئتي سنة بسبب قوة الشركات الصناعية التي كان لها الدور في الدخول إلى حداثة تلك المجتمعات، فعلى الرغم من أن الحداثة مصطلح فكري إلا أنه من جهة أخرى هو مصطلح اجتماعي/ رأسمالي كذلك بحكم سيطرة العقل البرجوازي وأصحاب الياقات البيضاء على مفاصل الاقتصاد الأوروبي بعد أن كان إقطاعيا، ومن هنا يمكن إطلاق صفة الحداثة على تلك المجتمعات التي انتقلت اقتصاديا ومعرفيا وتقدمت خطوات أبعد من غيرها من المجتمعات، على الرغم من تحفظ عدد من مفكري ما بعد الحداثة على كلمة "تقدم" منطلقين من مبدأ يرى أن انسحاق الإنسان المعاصر كان بسبب تلك الحداثة العقلانية ذات النزعة المادية الرأسمالية، الأمر الذي جعل مفكرا بحجم آلان تورين ينظر إلى تناقضها مع فكرة العقلنة. يقول في كتابه (نقد الحداثة): "لم تنتصر الأيديولوجيا الحداثية _التي تتوافق مع شكل التحديث الغربي الخصوصي من الناحية التاريخية_ فقط في مجال الأفكار مع فلسفة الأنوار. لقد سيطرت أيضا في مجال الاقتصاد حيث اتخذت الشكل الرأسمالي الذي لا يمكن اختزاله لا إلى اقتصاد السوق ولا إلى العقلنة. إن اقتصاد السوق يتماثل مع تحديد سلبي للحداثة؛ إنه يعني اختفاء كل رقابة جمعانية على النشاط الاقتصادي.. أما العقلنة فهي عنصر لازم للحداثة" (ص 31). وعلى هذا فإن فكرة "التقدم" تحمل في طياتها نوعا من المادية التي تسحق الإنسان ما لم يتم نقد هذه النزعة، وبالطبع فإن مثل هذا النقد سوف يكون في صالح الإنسان وتطوره الثقافي مما يجعل فكرة الحداثة إنسانية الطابع.
في المجتمع السعودي كان لحضور أرامكو أثر في تطوره الاقتصادي والتحديث الاجتماعي، وبعيدا عن الجدل الحاصل بين النقاد الذين يفرقون بين الحداثة والتحديث بوصف الأولى عقلنة علمية، والثانية تطور اقتصادي شكلي، فإن ما أعطته أرامكو من توفير الخدمات الاقتصادية ونقل المجتمع من حال البداوة إلى حال المدن الكبرى، هو ما فعلته الشركات الاقتصادية الكبرى في كثير من دول العالم الغربي والشرقي، إلا أن الإشكالية تبقى في المجتمع السعودي أنه تحديث في البنى العمرانية والتقنية وبعض من عادات المجتمع دون التحديث الفكري والثقافي الذي هو الأساس من أي نقلة نوعية في أي مجال، وهذا ما أشرت إليه في كثير من المواضع من قبل.
جاءت أرامكو لتصنع لهذا المجتمع قيمة اقتصادية كبرى بين دول العالم ولتتنامى عدد من المدن السعودية بشكل عملاق بعد أن كان معظمها يعتمد على الزراعي أو الرعي باستثناء بيئة الحجاز التي كانت تعمد على الاقتصادي الديني الذي يأتي من مجاورة الحرمين في مكة والمدينة ما شكل عمقا حضاريا ضاربا في القدم، في حين بقيت المناطق الأخرى أقرب إلى الصحراوية في معظم الجزيرة العربية قبل مرحلة النفط، وحضور الشركة العملاقة أرامكو أعطى تلك الدفعة الاقتصادية المعروفة ودمج المجتمع في كيان قومي واحد، وهو سمة الشركات الكبرى كما يرى عالم الاجتماع أنتوني جدنز في كتابه الضخم: (علم الاجتماع) حين أوضح أن "المجتمعات الصناعية هي التي شكلت ظهور ما يعرف الآن بالدولة القومية" (ص 97) وهي الدولة ذات الحدود السياسية والجغرافية المرسومة بشكل واضح الأمر الذي يقود إلى اندماج بين أفراد المجتمع على الرغم من اختلاف الهويات الصغرى والكبرى بينهم.
وعلى الرغم من ذلك التحديث الاقتصادي والاجتماعي في السعودية بقيت الثقافة تقليدية في طابعها العام إلا عند بعض أفرادها الذين لم يستطيعوا حتى الآن التأثير في البنى الفكرية العامة لدى المجتمع، بل ربما العكس قاد بعضهم إلى الارتداد إلى الرؤية التقليدية بعد أن كان تحديثيا، وهذا في تصوري بحكم عمق الثقافة التقليدية في المكون الاجتماعي في السعودية، وسطحية التحديث الثقافي الذي جاء مع التطور الاقتصادي في السبعينات الميلادية، وما قبلها بقليل.
بقيت أرامكو شبه معزولة عن المجتمع في تأثيرها الثقافي، رغم تأثيرها الاقتصادي الضخم على البلد، فكان من الصعب على غير الذين يعملون فيها، أو على غير المناطق والمدن المجاورة لمقرها، أن تتأثر بها ثقافيا أو تتأثر بتحولاتها الاجتماعية في داخلها، وبقي المجتمع يعيش على ظلها الاقتصادي، ويستخدم أكثر التقنيات الاستهلاكية دون التحديث الفكري والثقافي ما أعطى عزلة ثقافية بينها وبين بقية المجتمع طيلة السنوات السبعين الماضية، أي منذ أول إنشائها في السعودية، إلا أن هذا الحال لم يدم على إطلاقه إذ تم إنشاء مركز يهتم ببعض الجوانب الثقافية والتنمية البشرية في المجتمع، عرف بـ"مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي" وتشرف عليه شركة أرامكو، وجاء هذا المركز من أجل الإثراء الثقافي بين شباب المجتمع ولم يقتصر تأثيره على المدن المجاورة بل تعداه إلى عدد من المدن السعودية، كان آخرها ملتقى إثراء الشباب في المدينة المنورة، وعلى الرغم من اعتماد هذا المركز على مكونات الثقافة السعودية إلا أنه يأخذ بها إلى بعد جديد من ناحية تقديمها في قوالب حديثة تتناسب مع تحديث أرامكو للثقافة. وهذا ما عجزت عنه غالب مؤسساتنا الثقافية الحكومية رغم انتشارها في كل مناطق السعودية، ليأتي هذا المركز ويسد ثغرة استقطاب الشباب ثقافيا وترفيهيا معرفيا _ إذا صح الدمج _ ليحقق التواصل الثقافي والتقني بين مكونات الثقافة السعودية مما يمكن أن يجعل أرامكو مؤهلة لتحديث ثقافي على غرار التحديث الاقتصادي، فهل نشهد نقلة ثقافية جديدة تصنعها أرامكو؟
أتصور أنه من الصعب على المدى القريب ذلك، لكن مع انتشار الآليات الجديدة للثقافة وبقوالبها الجديدة، يمكن أن نخطو أوسع بكثير من تقليدية المؤسسات الحكومية كونها لم تعد قادرة على أن تواكب كثيرا من تطلعات الشباب الثقافية.