في ردة فعل لالتحاق أعداد كبيرة من الشباب الكردي بتنظيم داعش الإرهابي؛ أعلنت سلطات إقليم كردستان العراق من خلال وزارتي الثقافة والأوقاف منع تداول العشرات من الكتب لعدد من المؤلفين القدامى والمعاصرين بحجة أنها تحرض على التطرف وتدعو بالتالي إلى الإرهاب. وكان من ضمن هذه الكتب والأسماء مؤلفات ابن تيمية والألباني وعدد من علماء الخليج. وتعتبر سلطات هذا الإقليم أنها بمنع تداول مثل هذه الكتب بين الشباب خاصة تحميهم من الإرهاب الذي أحرق تلك المنطقة وما زال يطال بفتنته يحرقها وجهات كثيرة أخرى حول العالم.

لم تكن فكرة الخلاص من الكتب التي يعتقد أنها تمثل سببا في توجيه تفكير المتلقي نحو الفكر المتطرف وإذكاء فتيل الإرهاب أمرا جديدا في الفترة الأخيرة. ففي مصر وخلال شهر أبريل الماضي تم إحراق قرابة السبعين كتابا في فناء إحدى المدارس بالجيزة بعد قرار من مدير مديرية التربية والتعليم بالمحافظة، أغلبها كان كتبا في التراث الإسلامي، بحجة عدم مطابقتها للمواصفات المطبقة في الوزارة، كما استبعدت كتب أخرى من مكتبات المدارس للسبب ذاته.

في سياق مختلف ولأسباب مغايرة عُرف عن العرب وبعض المسلمين الأوائل إتلافهم الكتب إما بالحرق أو الدفن أو طمس الحبر لأسباب مختلفة، حسبما ذكر في بعض مراجع وكتب التاريخ والسير. قد يكون هذا الإتلاف إما تحت تأثير سلطة أيديولوجية أو سياسية أو اجتماعية أو تأتي بتصرف فردي من أصحابها أو مقتنيها. وقد يكون للوعي الجمعي آنذاك دوره في انتشار ظاهرة إحراق الكتب أو إتلافها، فقد قال ابن عباس: "إنا لا نكتب العلم ولا نُكتِبه". وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان ينهي عن كتابة العلم وقال: "إنما ضل من كان قبلكم بالكتب". وفي هذا إشارة إلى ذاكرة الحفظ والاستماع التي اشتهر بها العرب واعتمدها المسلمون في نقل أحاديث الرسول - عليه الصلاة والسلام - حتى تم تدوينها بعد أكثر من مئتي عام من وفاته. وكذلك على احتقار العرب كتابة العلم بالقراطيس الذي أورثوه للمسلمين تاليا، فكان بعض الصحابة لا يلتفتون لأي كتاب غير كتاب الله، ويحثون على ذلك كما جاء في الأثر عن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: "من كان عنده شيء فليمحه". وما رآه عبدالله بن يسار أنه سمع علي بن أبي طالب يخطب قائلا: "أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم".

وعلى الصعيد المحلي في المملكة العربية السعودية وقبل عدة سنوات تم سحب كتاب "الجهاد في سبيل الله"، وكتاب "سيد قطب المفترى عليه" من المدارس بأمر من وزارة الداخلية بسبب مضمون هذين الكتابين وما يحملانه من مخالفات عقدية وتوجهات تحريضية معروفة لدى الحزب الإرهابي الذي يسير على نهج ومحتوى مثل هذين الكتابين، ثم تلاه إرسال تعميم يتضمن توجيهات خاصة بمكاتب المدارس أُرفقت معها قائمة بها أسماء قرابة الأربعمئة كتاب، منها ما تم سحبه من تلك المكتبات ومنها ما أزيلت بعض صفحاته أو طمس بعض أجزائه.

هذا التنبه من الجهات المختصة لحظر مثل هذه الكتب وأمثالها من المنشورات والمطويات التي كانت توجه إلى النشء في المدارس والجامعات والجوامع، وما تحويه من فكر جهادي وتكفيري منحرف انجرف خلفه الكثير من الشباب، كانت ضمن المساعي والحملة الجادة التي تقوم بها المملكة لمكافحة الإرهاب منذ سنوات. وكانت بدايتها في 2005 عند دعوة المملكة المجتمع الدولي إلى إنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب وقدمت دعما سخيا لهذه الفكرة، كما أشار بذلك ولي العهد الأمير محمد بن نايف في كلمته التي ألقاها نيابة عنه الفريق عبدالله القرني نائب مدير المباحث العامة خلال افتتاح مجموعة عمل مكافحة تمويل تنظيم داعش الإرهابي التي عُقدت في جدة في السادس من مايو الماضي بحضور 23 دولة.

انضمت المملكة عام 2009 لعضوية مجموعة (ايقمونت)، وقيامها بالمصادقة والانضمام للاتفاقيات الدولية والإقليمية لمكافحة الإرهاب وتمويله كما جاء في كلمة ولي العهد التي أكد فيها أيضا: "أن الإرهاب جريمة عابرة للحدود تعاني منها الكثير من الدول والمجتمعات، ليس لها دين أو عرق أو ثقافة إلا ثقافة الموت والتدمير".

بالعودة إلى الخبر عن مصادرة ومنع بعض الكتب الإسلامية قبل أيام في إقليم كردستان العراق بحجة أنها من أسباب التطرف والإرهاب الذي استعر أواره بشدة في البلاد الإسلامية مؤخرا، يبرز التساؤل: هل الكتب هي المدخل الأول لعالم الإرهاب؟ وهل أسلوب المنع والمصادرة للكتب هناك أو في مكان في العالم يجدي في عصر الثورة المعلوماتية والانفتاح الفضائي والأثيري الكبير؟ بالطبع إن الحصول على أي كتاب مهما كان محتواه لم يعد أمرا صعب المنال في هذا الوقت، لكن المحك الأساسي لعدم التأثر بما تحويه الكتب ذات الانحراف العقدي والإنساني والمحرضة على التطرف والعنصرية وفتن الطائفية: هو الوعي الذي يملكه الفرد من خلال تربيته في بيئة سويّة تنمي الجانبين الإنساني والجمالي بداخله، وتدربه مبكرا على موازنة الأمور وعرضها على العقل والقيم والمفاهيم الإنسانية ثم قبول أو رفض ما يشاء منها. الجيل الذي نشأ على الانقياد لرأي الأغلبية وتذويب الذاتية في شخص واحد أو جماعة أيديولوجية تسوّق لنفسها من خلال مؤلفاتها وتراثها الذي لم يتعرض يوما للتمحيص والتهذيب والتدقيق وتبرع في استخدام هذا التراث بطريقة موجهة إلى النشء المعتاد على عدم مخالفتهم فيما يرون ويأمرون؛ لا نستبعد أن نجده يوما ضمن جوقة الإرهابيين في أي تنظيم معادٍ بالجوار.