لا يرغب الحوثيون في الظهور إلى العالم بمظهر الزعماء السياسيين، أو صورة الحزب السياسي المحترم، ويفضلون على ذلك صورة البلطجي والعصابة، لأن ظهورهم في الأصل كان خطأً منطقياً، مثلما ترتسم الآن معالم زوالهم صواباً منطقياً، فالمسوخ علمياً لا تعمر طويلاً. وقد قرروا نهايتهم بأيديهم، وبالطريقة "الفرنكشتاينية" -نسبة إلى مسخ فرانكشتاين-، وهي الطريقة الوحشية التي يتصرفون بها ضد المختلفين معهم أو مع أيديولوجيتهم، أو مع من لا يعجبهم، وفق "تابوهات" جاهزة لا تقيم وزناً لطبيعة وفكر مجتمع عريض وعميق الجذور كالمجتمع اليمني.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، تأملوا في طريقة عمل إعلامهم المستنسخ تماماً من جينات الإعلام الإيراني بالكامل، وبمقارنة سريعة بين القنوات الإيرانية وقناة المنار وقناة المسيرة التابعة للحوثيين، تلاحظون فقدان شخصية اليمن والإنسان اليمني الذي يتحدثون باسمه صباح مساء، ومحاولة طمس تلك الشخصية التاريخية، الأمر الذي يؤكد أن الحوثيين ليس لهم من هُوية اليمن سوى الاسم فقط.
فطريقة ارتداء الملابس موحدة في كل القنوات المذكورة، والخطاب موحد (أميركا، إسرائيل، داعش، القاعدة)، والأخبار، والمونتاج والإخراج موحدة أيضاً!
وهم بذلك إنما يقدمون الأدلة على تبعيتهم لا على استقلاليتهم، وفقدانهم للشخصية الحرة صاحبة القضية العادلة.
الحوثيون من المنظور السياسي، لا يمتلكون مقومات ذكاء سياسي يؤهلهم لوضع استراتيجية سياسية أو عسكرية منظمة، يمكن أن تفضي في النهاية إلى دولة مدنية مستقلة، ذات سيادة كاملة، ولا يمتلكون مهارات السياسيين أصحاب الخِبرة، إذ في غمرة سعادتهم بتحالفهم مع الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، سرعان ما وقعوا بين أنياب السياسي الماكر، فاندفعوا بهمجية إلى كل المحافظات اليمنية، بغية احتلالها والسيطرة عليها، وهي (مشورة خبيث) قلصت إلى حد بعيد إمكانية قبولهم شعبياً، أو التعاطف مع قضيتهم كما كان من قبل.
ويبدو زعيمهم المأخوذ بلقب القائد، هشاً لا يمتلك أقل شروط أو ملامح القائد الكارزمي المذهل، فإيران لم يكن يعنيها أكثر من الحصول على دمية على هيئة إنسان، ولا يعنيها أن يكون ذلك القائد غِراً أو قليل الذكاء مأخوذاً بفكرة الزعامة أو غيرها، فالمهم أن تجد ممثلها لأن (الريموت كنترول في طهران)، وقد وجدوه في شخصية عبدالملك الحوثي، الذي صدق الكذبة الإيرانية، وتوهم شخصية (الجيفاري الجديد) المنقذ للشعب اليمني!
من العار أن يتحول اليمن إلى أداة لمستعمر سري، يمسخ في لحظة أنانية غبية، أمةً وشعباً عظيماً كاليمن، أنار العالم يوماً وملأ الدنيا بحضارته التاريخية، ومن العار أن يحاول هؤلاء المسوخ، إيهامنا بعدالة قضيتهم بهذه الطريقة الانتهازية، في الوقت الذي بات الإنسان اليمني، لا يرى فيهم أكثر من صورة عملاء خزي وعار، ومن العار أكثر أن يقود البلاد متهور بفكر "فاشي"، لا يمتلك حتى تجربة في الذهاب إلى مقر اجتماعات سياسية. ويسعى إلى تحويل اليمن لحاضنة طائفية مذهبية محتقنة وموجهة، لحساب السياسات الإيرانية ضد جيرانه وأشقائه في دول مجلس التعاون الخليجي.
فاليمن التاريخي لم يخضع في كل فتراته السياسية، إلى مثل ما يُراد له من عبث سياسي واجتماعي أخرق كالذي يحدث الآن، وإذا لم يجلس عقلاء اليمن على الطاولة المستديرة فإن البلاد مقبلة على ظلام الطائفية السياسية والدينية المذهبية المقيتة، التي تحمل أجندتها السياسية "والجيوسياسية" الخاصة قريبة وبعيدة المدى، وفي الغالب ترتبط هذه الأجندة بالمصالح والتوجهات الأساسية للداعم الرئيس الذي يمتلك خيوط اللعبة، وهي لعنة لا تحل على شعب إلا وألغت هُويته، ودمرت مقدراته.
ومثل هذا النوع من الطائفية لم يعهدها يوماً تاريخ اليمن الاجتماعي والسياسي والثقافي، فقد ظل اليمن على الدوام مجتمعاً منفتحاً على الثقافات الإنسانية، تتعايش على أرضه كثير من المكونات العرقية والدينية والمذهبية، كبيئة متصالحة مع ذاتها، وليست بيئة منغلقة طاردة.
لقد عاصرت وشاهدت شخصياً إبان زياراتي إلى اليمن، عبقرية تطبيق اليمنيين لمصطلح التعايش الحقيقي بين المختلفات، فاليهود الذين اشتهروا بتجارة الفضة والذهب والمصوغات، قابلتهم بنفسي في اليمن، وهم جزء من منظومة النسيج الاجتماعي اليمني، يزاولون نشاطهم بكل أريحية، ولا تجد من يحاول الانتقاص أو النيل منهم أو مضايقتهم، وصليت في مساجد الزيدية والشافعية والمالكية والسلفية، وتسامرت مع كل المكونات تقريباً. لم أشعر بأية أجواء تصنيفية أو تحزبات مذهبية...
لقد كان ذلك منظراً مدهشاً بالنسبة لي، أعاد ترتيب كثير من ذهنيتي وثقافتي وتفكيري، كأحد أعظم الدروس الأخلاقية والثقافية والإنسانية التي تعلمتها على الإطلاق، ورأيت عملياً بلد الإيمان والحكمة.